فى كل حرب أمريكية كبرى، كانت هوليوود تصل فى النهاية إلى غرفة العمليات، لكن ليس بالضرورة لتصوير المعركة كما وقعت، وإنما لإعادة صياغة معناها.
بعد فيتنام، ظهرت أفلام كسرت صورة الجندى الأمريكى الذى لا يُهزم. حيث لم تعد الحرب مجرد مواجهة بين الخير والشر، بل أصبحت تجربة عبثية ومدمرة تكشف الجانب المظلم من القوة العسكرية.
وبعد العراق وأفغانستان، انتقلت الكاميرا تدريجيًا من لحظة الانتصار العسكرى إلى ما تركته الحرب من اضطرابات نفسية وأسئلة أخلاقية وشكوك فى القرار السياسى.
ففى «خزانة الألم»، تحولت الحرب إلى حالة نفسية تلاحق الجندى حتى بعد ابتعاده عن ساحة المعركة، بينما تناول «Green Zone» المعلومات التى قادت إلى الحرب، وقدم «American Sniper» قراءة أكثر جدلًا لصورة الجندى الأمريكى وتجربته فى العراق.
وهكذا انتقلت السينما من سؤال: كيف انتصرنا؟ إلى سؤال أكثر إزعاجًا: لماذا ذهبنا إلى الحرب أصلًا؟
والآن تقف السينما الأمريكية أمام حرب أكثر تعقيدًا: المواجهة الأمريكية الإيرانية، فى ظل إدارة دونالد ترامب، وفى منطقة أصبحت إسرائيل طرفًا مركزيًا فى معادلاتها العسكرية والسياسية.
وهنا لا يتعلق السؤال فقط بما إذا كانت هوليوود ستصنع أفلامًا عن الحرب، فهذا أمر يكاد يكون مؤكدًا، ولو بعد سنوات.
السؤال الحقيقى هو: أى حرب ستصور هوليوود؟ وأى أمريكا ستضعها أمام الكاميرا؟ ومن سيكون البطل؟ ومن سيكون العدو؟ وهل ستكون إسرائيل مجرد خلفية سياسية، أم ستصبح أحد أطراف الحكاية؟
هذه الأسئلة ربما تكون أهم من الفيلم نفسه.. فهوليوود لا تنقل الحرب بل تعيد كتابتها.
من «فصيلة» إلى «خزانة الألم».. كيف تغيرت صورة الحرب؟
منذ الحرب العالمية الثانية، لم تكن السينما الأمريكية مجرد وسيلة لتسجيل الأحداث، بل كانت جزءًا من القوة الناعمة للولايات المتحدة، وأحيانًا مساحة لإنتاج صورة أمريكا عن نفسها وعن خصومها.
فى أفلام الحرب التقليدية، كان الجندى الأمريكى يظهر بوصفه ممثلًا لقيم الحرية والديمقراطية، بينما يتولى الطرف الآخر دور التهديد.
لكن هذه الصورة تعرضت لهزات متتالية..جاءت حرب فيتنام لتنتج واحدة من أهم مراحل المراجعة الذاتية فى تاريخ السينما الأمريكية. فى «Platoon»"فصيلة "، قدم أوليفر ستون الحرب من داخل التجربة النفسية للجندى، بينما ذهب كوبولا فى «Apocalypse Now» إلى مساحة أكثر قتامة، محولا الحرب إلى رحلة فى أعماق الجنون الإنسانى.
ثم جاءت أفلام ما بعد 11 سبتمبر وحرب العراق لتفتح الباب أمام أسئلة جديدة. فى «The Hurt Locker»"خزانة الالم"، يصبح الإدمان على أجواء الحرب جزءًا من شخصية الجندى، بينما يقدم «In the Valley of Elah» وادى إيلاه "مأساة عودة الجندى إلى وطنه، ويضع المشاهد أمام آثار الحرب التى لا تنتهى بانتهاء المهمة العسكرية.
هكذا انتقلت السينما من سؤال: كيف انتصرنا؟ إلى سؤال: لماذا ذهبنا إلى الحرب أصلا؟
وهذا التحول قد يكون مفتاحا لفهم السينما التى ستولد من الحرب الإيرانية.
إيران.. العدو الذى تعرفه هوليوود منذ عقود
ليست إيران جديدة على الخيال السينمائى الأمريكى..منذ الثورة الإيرانية وأزمة الرهائن، ظهرت إيران فى عدد من الأفلام والأعمال باعتبارها مساحة للصراع بين الولايات المتحدة والشرق، وغالبا ما ارتبطت صورتها فى سينما الأكشن بالثورة والإرهاب والرهائن والبرنامج النووى وأجهزة الأمن.
ويبقى «Argo»"ارجو" واحدا من أبرز النماذج الحديثة، فالفيلم الذى أخرجه بن أفليك، استعاد أزمة الرهائن الأمريكيين فى طهران من خلال عملية استخباراتية شديدة الإثارة، لكنه ظل فى جوهره حكاية أمريكية: أمريكيون عالقون فى إيران، ووكالة استخبارات تحاول إعادتهم إلى الوطن.
وهنا تكمن المسافة التى قد تحاول السينما المقبلة قطعها،
فإيران التى ستظهر فى سينما المستقبل قد لا تكون فقط إيران النظام السياسى أو الحرس الثورى أو المنشآت النووية.
قد تكون إيران العائلة..المرأة..الطفل..الطالب..الصحفى..الجندى الذى لا يعرف لماذا يقاتل، والمدنى الذى يختبئ من الصواريخ.
هذه التفاصيل هى التى يمكن أن تنقل السينما من فيلم عن إيران إلى فيلم عن الإيرانيين، والفرق بين الاثنين كبير.
من «Argo» إلى إيران الإنسان
فى «Argo»، كان المجتمع الإيرانى فى جانب كبير من الفيلم جزءًا من البيئة الخطرة التى يجب على الأبطال الأمريكيين الهروب منها.
لكن الحرب الجديدة قد تفرض على السينما زاوية مختلفة، لم يعد المشاهد الأمريكى يعتمد فقط على الصورة التى تقدمها الاستوديوهات. صور الحرب تصل إليه لحظة بلحظة من الهواتف المحمولة ومنصات التواصل الاجتماعى، والروايات الأمريكية والإيرانية والإسرائيلية والعربية تتقاطع أمامه فى اللحظة نفسها.
لذلك لن يكون من السهل على الفيلم القادم أن يفرض رواية واحدة على جمهور يعرف مسبقًا أن هناك روايات أخرى.
لقد أصبحت الحرب نفسها معركة على الصورة قبل أن تكون معركة على الأرض.
الفيلم الذى بدأ بالفعل.. عندما تصل الحرب إلى هوليوود قبل أن تنتهى
ولعل أكثر ما يؤكد أن هذه الأسئلة لم تعد افتراضية أن هوليوود بدأت بالفعل فى تحويل إحدى أكثر وقائع الحرب الأمريكية الإيرانية درامية إلى فيلم سينمائى.
فقد استحوذت Universal Pictures على مشروع فيلم جديد مرتقب يتناول عملية الإنقاذ التى نفذتها القوات الأمريكية لاستعادة اثنين من أفراد طاقم مقاتلة F-15E Strike Eagle بعد إسقاطها داخل الأراضى الإيرانية، فى قصة تبدو وكأنها كُتبت أصلًا للسينما: طائرة حربية تسقط خلف خطوط العدو، وطيارون يحاولون النجاة، وقوات خاصة وأجهزة استخبارات تبدأ سباقًا مع الزمن للوصول إليهم قبل أن تقع أيديهم فى قبضة السلطات الإيرانية.
ويتولى إخراج الفيلم مايكل باى، صاحب الخبرة الطويلة فى أفلام الحركة العسكرية، فيما يستند المشروع إلى كتاب مرتقب للكاتب ميتشل زوكوف، صاحب كتاب «13 ساعة».
القصة نفسها تحمل كل العناصر التى تجذب سينما هوليوود التجارية: طائرة مقاتلة تسقط فى منطقة جبلية وعرة، جنود خلف خطوط العدو، أجهزة استخبارات، مطاردات، وخطة إنقاذ معقدة تتسابق مع الزمن.
لكن الفيلم المرتقب لمايكل باى يصبح، من زاوية أخرى، أول اختبار مبكر للطريقة التى ستبدأ بها هوليوود فى كتابة الحرب الإيرانية.
فما الذى سيختاره الفيلم من هذه القصة؟هل ستكون الحكاية عن البطولة الأمريكية والجنود الذين لا يتركون أحدًا خلفهم أم عن براعة أجهزة الاستخبارات والقوات الخاصة أم عن الجندى الذى يجد نفسه وحيدًا فى أرض معادية ويحاول فقط أن يبقى حيًا؟
وماذا عن الجانب الإيرانى؟ هل سيظهر الإيرانيون بوصفهم مطاردين ومقاتلين فقط أم ستمنح السينما بعض الشخصيات الإيرانية مساحة إنسانية تتجاوز موقعها فى الصراع؟
هذه الأسئلة مهمة لأن اختيار زاوية الحكاية هو فى حد ذاته اختيار سياسى وسينمائى.
وإذا كان مايكل باى سيقدم القصة من منظور فيلم حرب جماهيرى، فقد يصبح هذا العمل نموذجًا مبكرًا لما يمكن أن تبدو عليه «سينما إيران» الأمريكية: طائرات، قوات خاصة، مخابرات، مطاردات، وبطل أمريكى خلف خطوط العدو.
لكن السينما لن تتوقف عند الفيلم الأول.. فقد يأتى مخرج آخر ليروى الحرب من داخل منزل إيرانى كان قريبًا من موقع سقوط الطائرة أو يتابع عائلة تنتظر عودة أحد أفرادها أو يركز على جندى أمريكى عاد إلى بلاده، لكنه لم يستطع أن يعود نفسيًا من الحرب.
وهنا تبدأ المنافسة الحقيقية.. ليست المنافسة على من يصنع الفيلم الأكثر إثارة، وإنما على من يملك الحق فى تعريف الحرب أمام الجمهور.
ترامب.. عندما تصبح هوليوود جزءًا من مشروع «أمريكًا أولًا»
لا يمكن فصل السينما المقبلة عن طبيعة المرحلة السياسية الأمريكية.
فترامب لم يتعامل مع هوليوود باعتبارها صناعة ترفيه فقط، وإنما تحدث صراحة عن ضرورة حماية الصناعة الأمريكية من الإنتاج الخارجى.
وفى مايو 2025 أعلن خطة لفرض تعرفة بنسبة 100% على الأفلام المنتجة خارج الولايات المتحدة، معتبرًا أن انتقال الإنتاج إلى الخارج يمثل تهديدًا للصناعة والأمن القومى، وأثارت الفكرة أسئلة واسعة، بسبب الطبيعة العالمية لصناعة الأفلام، التى تعتمد فى الإنتاج والتصوير والتمويل على دول متعددة.
هذه السياسة الاقتصادية تحمل فى داخلها رسالة ثقافية أيضًا: نريد أفلامًا أمريكية تُصنع فى أمريكا، وتروى أمريكا عن نفسها.
وهنا تلتقى السياسة بالسينما.. فإذا كانت إدارة ترامب تريد استعادة الصناعة الأمريكية وتعزيز صورة القوة الأمريكية، فهل يمكن أن تشهد السنوات المقبلة عودة قوية لأفلام البطولة العسكرية؟
هل نرى عودة الطيار الأمريكى الذى ينقذ العالم؟ والجندى الذى يقضى على الخطر القادم من الشرق؟
والقائد الذى يتخذ القرار الصعب ثم يكتشف أنه أنقذ ملايين الأرواح؟ ربما.
«Top Gun» ..نموذج القوة الأمريكية
هناك نماذج جاهزة يمكن أن تعود إلى الواجهة إذا اتجهت السينما إلى تمجيد القوة العسكرية.
ففيلم «Top Gun:Maverick» قدم نموذجًا حديثًا للبطل العسكرى الأمريكى الذى يجمع بين المهارة والشجاعة والانضباط، وأعاد إلى الشاشة صورة الطيار الأمريكى باعتباره بطلًا جماهيريًا قادرًا على إنقاذ الموقف.
لكن الحرب الإيرانية قد تكون أكثر تعقيدًا من أن تستوعبها هذه الثنائية البسيطة، لأن العدو هنا ليس جيشًا تقليديًا يمكن اختزاله فى صورة هدف عسكرى.
إنها دولة ذات تاريخ طويل وثقافة وهوية ومجتمع، كما أن المواجهة مرتبطة بمنطقة شديدة التعقيد سياسيًا وإنسانيًا.. ومن ثم قد يكون من الصعب إنتاج نسخة جديدة من «Top Gun» من دون أن تصطدم بأسئلة أكثر قسوة.
سينما ترامب أم سينما ضد ترامب؟
قد تنتج هوليوود أفلامًا تتوافق بصورة أو بأخرى مع خطاب القوة الأمريكية، لكنها فى الوقت نفسه قد تنتج أفلامًا مناقضة له تمامًا.. فالصناعة الأمريكية ليست صوتًا واحدًا.
هناك الاستوديوهات الكبرى التى تبحث عن الفيلم الجماهيرى، وهناك السينما المستقلة، وهناك المخرجون والكتاب الذين يرون الحرب من منظور مختلف، وهناك الوثائقيون الذين يمكنهم الوصول إلى قصص لا تصل إليها الأفلام التجارية.. وهذا ليس جديدًا على هوليوود.
فأفلام مثل «Wag the Dog»"هز الكلب" تعاملت بسخرية مع قدرة السياسة والإعلام على صناعة الحرب، بينما قدم «Vice» قراءة شديدة القسوة لعلاقة السلطة بالقرار السياسى الأمريكى.
ومن ثم يمكن أن نشهد خلال السنوات المقبلة سينما ترامب وسينما ضد ترامب فى الوقت نفسه.
فيلم تجارى يرى العالم من غرفة العمليات الأمريكية، وفيلم مستقل يرى العالم من شقة إيرانية تتعرض للقصف.. وفيلم ثالث يتابع جنديًا أمريكيًا بدأ الحرب باعتباره بطلًا، ثم عاد إلى بلاده وهو يسأل نفسه عن جدوى ما فعله.. وفيلم رابع يضع صحفيًا إسرائيليًا أو أمريكيًا أمام سؤال العلاقة بين الأمن والدعاية والحقيقة.
وهكذا تتحول هوليوود نفسها إلى ساحة صراع سياسى.
إسرائيل.. الحاضر الذى لن يستطيع الفيلم تجاهله
لكن السؤال الأصعب يبقى: هل ستكون إسرائيل حاضرة؟
الإجابة عن الأرجح: نعم.. لكن طريقة الحضور هى التى تستحق التأمل.
فى فيلم عن الحرب الأمريكية الإيرانية، سيكون من الصعب تجاهل إسرائيل، باعتبارها جزءًا من شبكة التحالفات والقرارات العسكرية والاستخباراتية فى المنطقة.
لكن السينما تستطيع أن تقدم إسرائيل بطرق متعددة.. يمكن أن تظهر باعتبارها حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة.. ويمكن أن تظهر باعتبارها دولة تواجه تهديدًا أمنيًا مباشرًا.. ويمكن أن تصبح جزءًا من جدل سياسى أمريكى حول حدود الدعم الأمريكى لها.
وقد تظهر فى فيلم آخر باعتبارها طرفًا فى صراع أوسع يتجاوز إيران إلى القضية الفلسطينية والحرب فى غزة.
وهنا يصبح النموذج الأهم هو فيلم "ميونخ " للمخرج ستيفن سبيلبرج..الفيلم لم يقدم عملية الانتقام الإسرائيلية بعد هجوم أولمبياد ميونيخ باعتبارها قصة انتصار بسيطة، وإنما حول الانتقام نفسه إلى سؤال أخلاقى حول العنف ودائرته، وحول الثمن النفسى الذى يدفعه الإنسان عندما يتحول إلى أداة فى عملية قتل..وهذا النموذج قد يكون مهما فى المستقبل.
فالسينما الأكثر قوة ليست التى تقول للمشاهد من هو الخير ومن هو الشر، وإنما التى تجعله يخرج من القاعة وهو غير قادر على تقديم إجابة سهلة.
غزة ستدخل من النافذة الإيرانية
وهناك قضية أخرى يصعب تجاهلها،حتى إذا كان الفيلم عن إيران، فإن حرب غزة والصراع الإسرائيلى الفلسطينى سيظلان حاضرين فى خلفيته.
فالمشهد الإقليمى لم يعد قابلًا للفصل إلى ملفات منفصلة..إيران مرتبطة بحسابات إسرائيل الأمنية..وإسرائيل مرتبطة بالسياسة الأمريكية..والسياسة الأمريكية مرتبطة بالانقسام الداخلى حول غزة.
وهذا كله يمكن أن يظهر فى السينما، حتى إذا لم يكن الفيلم فلسطينيا فى الأساس.وقد لا تحتاج غزة إلى أن تكون موضوع الفيلم حتى تصبح شخصية غير مرئية داخله.
ربما نشاهد صحفيا أمريكيا يبحث عن أسباب الحرب، فيجد نفسه أمام غزة..أو جنديا إسرائيليا يتساءل عن الحرب المقبلة.
أو سياسيا أمريكيًا ممزقا بين التحالف الاستراتيجى والضغط الشعبى..أو عائلة إيرانية ترى أن الحرب ليست مجرد مواجهة مع الولايات المتحدة، وإنما جزء من تاريخ طويل من الصراع الإقليمى.وهنا تصبح إسرائيل وغزة وإيران وواشنطن أجزاء من قصة واحدة.
ماذا تعلمنا أفلام العراق؟
إذا أردنا معرفة ما قد تفعله هوليوود بالحرب الإيرانية، فعلينا العودة إلى أفلام العراق.
فـ«The Hurt Locker» ركز على التجربة النفسية للجندى، بينما تناول «Green Zone» مسألة المعلومات والبحث عن أسلحة الدمار الشامل، وقدم «Body of Lies» «كتلة أكاذيب» عالم الاستخبارات والحرب السرية، فى حين ذهب «فى الحلقة» «In the Loop» إلى السخرية السياسية من المناخ الذى يقود إلى الحرب.
لم تنتج هوليوود رواية واحدة عن العراق.. وهذا مهم، لأن السينما لا تتعامل مع الحرب بوصفها حدثا واحدًا.. إنها تعيد اكتشافها مع مرور الزمن.
فى السنة الأولى قد يكون الفيلم عن الجندى، بعد خمس سنوات قد يصبح عن الصحفى..بعد عشر سنوات قد يصبح عن السياسى الذى اتخذ القرار..وبعد عشرين سنة قد يصبح عن طفل عراقى أو إيرانى عاش الحرب وأصبح رجلًا يحمل ذاكرة لا يستطيع التخلص منها..لذلك فإن الفيلم الأهم عن الحرب الإيرانية قد لا يكون قد كُتب بعد.
الحرب التى ستنتج سينما مختلفة
هناك فارق جوهرى بين الحرب الإيرانية والحروب الأمريكية السابقة.
هذه حرب يمكن أن تتحول إلى مواجهة إقليمية واسعة بسرعة شديدة، وفيها إسرائيل طرف رئيسى، وإيران دولة ذات تاريخ وثقافة وحضور سينمائى خاص، بينما يعيش الجمهور الأمريكى نفسه حالة استقطاب سياسى حادة.. والأهم أن الحرب تحدث فى عصر الصورة الفورية.
فى فيتنام كان التليفزيون هو النافذة الأساسية..وفى العراق كانت القنوات الفضائية والإنترنت قد دخلا المعركة.. أما اليوم فكل شخص يحمل كاميرا.. كل صاروخ يمكن أن يتحول إلى فيديو.. كل ضحية يمكن أن تصبح صورة.. وكل رواية يمكن أن تنتشر فى دقائق.
وهذا يعنى أن هوليوود لم تعد تملك احتكار صورة الحرب، لقد أصبح عليها أن تنافس ملايين الصور التى سبقتها.
من «The Post» إلى «Wag the Dog».. الحرب على الحقيقة
هنا تظهر مشكلة جديدة لم تكن موجودة بهذا الحجم فى أفلام فيتنام والعراق.
الحرب لا تُصنع صورتها فقط فى الاستوديوهات، وإنما أيضا عبر الخوارزميات.. والسينما الأمريكية لديها بالفعل تقاليد طويلة فى مساءلة العلاقة بين السلطة والإعلام.
فى «The Post» لستيفن سبيلبرج، تصبح الصحافة فى مواجهة السلطة والدولة، بينما ذهب «Wag the Dog» إلى منطقة أكثر سخرية، متخيلا كيف يمكن صناعة حرب إعلامية لخدمة هدف سياسى.
لكن الحرب الجديدة يمكن أن تنقل هذه الفكرة إلى مستوى مختلف، قد يكون موضوع الفيلم الحقيقى ليس الحرب نفسها، وإنما الحرب على الحقيقة.
صحفى يحاول معرفة الفيديو الحقيقى من المزيف.. مخرج يبحث عن مصدر صورة انتشرت عالميًا.. جندى يكتشف أن الصورة التى ظهرت فى الأخبار لا تشبه ما شاهده بعينيه.. وعائلة إيرانية أو إسرائيلية أو أمريكية تحاول أن تفهم أى رواية تصدق.
وهذا النوع من الدراما قد يكون أكثر تعقيدًا من أفلام الصواريخ والطائرات.
هل يعود البطل الأمريكى؟
ربما يكون أهم تغير ستشهده السينما هو شكل البطل، فى سينما الحرب التقليدية، كان البطل هو الرجل الذى يمتلك السلاح ويعرف كيف يستخدمه.
أما سينما المستقبل فقد يكون بطلها هو الذى يرفض إطلاق النار.. قد يكون صحفيًا أو طبيبًا أو مترجمًا أو امرأة تبحث عن ابنها أو جنديًا أمريكيًا يكتشف أن التعليمات التى تلقاها لا تتطابق مع الواقع.
وهنا تنتقل البطولة من القوة إلى المعرفة، ومن الانتصار إلى السؤال، ومن إطلاق النار إلى محاولة فهم لماذا بدأت الحرب.
السينما الأمريكية بين الدعاية والضمير
لا يمكن إنكار أن هوليوود استخدمت تاريخيًا فى بعض المراحل كأداة للقوة الناعمة الأمريكية.
لكنها فى الوقت نفسه أنتجت أفلامًا كانت شديدة القسوة على السلطة الأمريكية نفسها.. وهذه المفارقة هى سر قوتها.
فإذا أنتجت هوليوود خلال السنوات المقبلة أفلامًا مؤيدة للحرب، فلن يكون ذلك مفاجئًا.
وإذا أنتجت أفلامًا ضد الحرب، فلن يكون مفاجئًا أيضًا.
المفاجأة الحقيقية ستكون إذا تمكنت من إنتاج أفلام تتجاوز الاثنين.
أفلام لا تسأل: هل أمريكا على حق أم إيران؟ بل تسأل:
ماذا تفعل الحرب بالإنسان عندما يتحول إلى رقم فى بيان عسكرى؟
بعد أن تنتهى الحرب.. تبدأ الحرب الحقيقية
ربما يكون أكثر ما يلفت النظر أن السينما لا تبدأ عادة فى كتابة تاريخ الحرب عندما تقع، وإنما عندما تنتهى..عندها تختفى أصوات الطائرات، ويبدأ صوت الذاكرة.
تبدأ الأسئلة التى لم يكن من الممكن طرحها أثناء القتال..
من كان على حق؟
هل كان يمكن تجنب الحرب؟من دفع ثمنها؟ من ربح؟ ومن خسر؟ وما الذى حدث للذين عادوا؟ وما الذى حدث للذين لم يستطيعوا العودة؟
هذا ما حدث مع فيتنام والعراق، وربما يحدث بصورة أكثر تعقيدًا مع إيران.
لهذا فإن السينما التى ستخرج من الحرب الأمريكية الإيرانية لن تكون مجرد أفلام حرب.. ستكون أفلامًا عن الذاكرة الأمريكية والإيرانية والإسرائيلية فى آن واحد.
وقد تكون أفضل هذه الأفلام تلك التى ترفض أن تمنح الجمهور إجابة سياسية جاهزة.
ففى النهاية، السينما العظيمة لا تكرر بيانات الحكومات.. إنها تضع الإنسان فى مواجهة البيان.
وهنا ربما تكون المعركة المقبلة فى هوليوود أكثر أهمية من المعركة التى تدور فى السماء.. فالصاروخ يمكن أن يسقط فى دقائق.. أما الفيلم فيمكن أن يعيش عقودًا.. والحرب قد تنتهى باتفاق أو هدنة.
الفيلم الذى يصنع صورتها قد يحدد كيف يتذكرها جيل كامل.
ولهذا فإن السؤال ليس: هل ستصور هوليوود الحرب الأمريكية الإيرانية؟ السؤال الحقيقى هو: من سيكتب سيناريو الحرب؟ هل سيكتبه البيت الأبيض أم البنتاجون؟
أم هوليوود أم مخرج إيرانى أو أمريكى أو إسرائيلى يقف بعيدًا عن السلطة؟
وهل ستظهر إسرائيل فى الفيلم باعتبارها حليفًا لا يُسأل، أم طرفا فى قصة أكثر تعقيدًا؟ وهل ستظل إيران هى «العدو» كما اعتادت بعض أفلام هوليوود أن تقدمها أم ستظهر باعتبارها مجتمعًا كاملًا له ضحاياه وذاكرته وأسئلته؟ ربما تكون الإجابة فى الفيلم الذى لم يُصنع بعد.
لكن المؤكد أن الحرب، عندما تغادر نشرات الأخبار، ستذهب إلى مكان آخر.. إلى غرفة السيناريو.. وهناك ستبدأ الحرب الثانية: حرب الرواية.
فمن يملك الرواية لا يملك فقط الماضى بل يملك الطريقة التى سيتذكر بها العالم المستقبل.