ظل الحديث عن تعميق الصناعة المحلية فى قطاع الصناعات المعدنية، وخاصة الحديد والصلب، يتصّل بفكرة التوسّع فى المراحل الأولى من الإنتاج، أى الصهر والصب وإنتاج البيليت والمنتجات الوسيطة. ومن الطبيعى أن يبدو هذا المسار جذابًا فى صناعة تعرف فيها القدرة الإنتاجية بعدد الأطنان، إلا أن السؤال الذى يفرض نفسه اليوم هو: هل زيادة إنتاج الصلب الخام هى دائمًا أفضل وسيلة لتعظيم القيمة المضافة المحلية؟ أم أن هناك طريقًا آخر يمكن من خلاله للصناعة أن تتوسّع وتخلق وظائف وتزيد قدرتها التصديرية، من دون أن تضيف أعباء جديدة على استهلاك الكهرباء والغاز، ودون أن تهدر مفهوم المزايا النسبية والتنافسية للدولة؟
• • •
المسألة هنا ليست المفاضلة بين الصناعة والطاقة، ولا الدعوة إلى التخلى عن الصهر والصب، وإنما إعادة النظر فى تركيب الاستثمار داخل صناعة الصلب نفسها. فالمصنع الذى يستثمر مليار دولار إضافية فى فرن أو وحدة صهر يضيف طاقة إنتاجية جديدة، لكنه يضيف فى الوقت نفسه طلبًا مستمرًا على الطاقة والمواد الخام. أما توجيه جزء من الاستثمار إلى المراحل اللاحقة، فيمكن أن يحوّل الطن الواحد من الصلب إلى عدد أكبر بكثير من المنتجات والمكونات، ويضيف قيمة محلية أكبر من خلال التشغيل والهندسة والتصنيع والخدمات المرتبطة به.
وهنا يصبح السؤال الأهم: لماذا نبيع الطن عندما يمكن أن نبيع المنتج الذى يدخل فيه هذا الطن؟
المسار التقليدى هو: خام أو خردة، ثم صهر وصب، ثم درفلة، ثم بيع المنتج. أما المسار الذى تحتاجه الصناعة المصرية بصورة أكبر فهو: صلب، ثم قطع وتشكيل وتشغيل ولحام ومعالجة سطحية وتجميع، وصولًا إلى مكون صناعى أو منتج هندسى متكامل. وبهذا يتحول المصنع من منتج للصلب إلى منصة صناعية تستخدم الصلب كمدخل لإنتاج السيارات ومكوناتها، والمعدات والآلات، والهياكل المعدنية، ومعدات الطاقة، ومستلزمات البناء، ومكونات البنية الأساسية وغيرها.
وهذا ليس انتقالًا من «مصنع» إلى «ورشة»، كما قد يتصور البعض، بل يمكن أن يكون العكس تمامًا. فالصناعات التحويلية المتقدمة حول الصلب قادرة على استيعاب استثمارات ضخمة، كما تثبت تجارب الشركات العالمية الكبرى. ففى الهند، خصصت شركة ArcelorMittal Nippon Steel India نحو مليار دولار لإنشاء قدرات عمليات تصنيعية لاحقة downstream فى مجمعها العملاق فى هازيرا، ضمن برنامج استثمارى إجمالى يقترب من ٧,٧ مليار دولار. ويشمل الاستثمار اللاحق مجمعًا للدرفلة على البارد وخطوطًا للجلفنة والمعالجة، بهدف إنتاج أنواع متقدمة من الصلب للقطاعات عالية الطلب، وعلى رأسها صناعة السيارات. وفى المقابل، بلغت استثمارات التوسع فى العمليات التصنيعية الأولية upstream نحو ٥,١ مليار دولار لرفع الطاقة الإنتاجية للصلب من ٩ إلى ١٥ مليون طن سنويًا. ومن دلالات ذلك أن شركات الصلب العالمية لا تعتبر التوسّع فى مجالات التصنيع اللاحقة نشاطًا هامشيًا تابعًا للمصنع، بل جزءًا أساسيًا من استراتيجية النمو ورفع الربحية. فالاستثمار فى المرحلة اللاحقة يمكن أن يكون بمليار دولار أو أكثر، تمامًا كما يمكن أن يكون الاستثمار فى فرن أو وحدة إنتاج جديدة.
• • •
والأمر نفسه ظهر فى تجربة POSCO فى الهند، التى استثمرت نحو ١,٢ مليار دولار فى مجموعة من مشروعات تعزيز القيمة المضافة فى عمليات التصنيع اللاحقة، شملت مصنعًا للصلب المجلفن المستخدم فى السيارات، ومصنعًا للصلب الكهربائي، ومصنعًا للدرفلة على البارد، إلى جانب مراكز لخدمة ومعالجة الصلب بالقرب من تجمّعات السيارات والأجهزة المنزلية.
لكن هناك نقطة أخرى أكثر أهمية بالنسبة لمصر، وهى أن الانتقال للتصنيع اللاحق لا يعنى بالضرورة التخلص من الصناعة كثيفة رأس المال، بل يمكن أن يعيد توزيعها على مراحل أكثر تنوعًا. فمصنع الصلب يظل قائمًا، لكن حوله تنشأ منظومة من مصانع المكونات والهندسة والتشغيل والمعالجة والخدمات الفنية، وهو ما يوسع قاعدة العمالة الصناعية بدلًا من حصرها فى الأفران وخطوط الإنتاج الأساسية. وهذا فى رأيى أفضل كثيرًا من الاستمرار فى فهم نموذج تعزيز الصناعات المعدنية فى صورة المزيد من بيع تراخيص صناعة البيليت، التى تلتهم الطاقة التهامًا، وهى فى النهاية طاقة مستوردة!.
كذلك لا يفهم من نموذج التصنيع المقترح أنه مؤسس على الاستغناء عن العاملين، فقد أقامت Nippon Steel وTernium فى المكسيك مصنع TENIGAL لإنتاج الصلب المجلفن عالى الجودة المستخدم فى صناعة السيارات باستثمار يقارب ٣٠٠ مليون دولار وطاقة ٤٠٠ ألف طن سنويًا، لكنه وفر نحو ١٤٠ وظيفة مباشرة فقط. وهذا يوضح أن مجرد الانتقال إلى معالجة أكثر تقدمًا للصلب لا يكفى وحده لتعظيم العمالة؛ فكلما انتقلنا من معالجة المادة إلى تصنيع المكونات والمنتجات النهائية، أصبحت فرصة خلق الوظائف والقيمة المضافة أكبر.
وهنا تحديدًا يمكن لمصر أن تذهب خطوة أبعد. فبدلًا من أن يكون الهدف إنتاج مزيد من الصلب المستخدم فى السيارات، يمكن أن يكون الهدف إنتاج أجزاء السيارات نفسها. وبدلًا من بيع القطاعات، يمكن تصنيع الهياكل والجمالونات ومكونات الكبارى والمصانع والمخازن. وبدلًا من بيع الألواح، يمكن تصنيع خزانات ومعدات وأجزاء للآلات وخطوط الإنتاج. كما يمكن توجيه جزء من الإنتاج إلى مكونات الطاقة المتجددة ومعدات الهيدروجين والبنية الأساسية.
• • •
اللافت أن مصر لديها بالفعل مثال قريب من هذا التصور. فمشروع مجمع Xin Feng للصناعات المعدنية فى العين السخنة تبلغ استثماراته نحو ١,٦٥ مليار دولار، ويضم تسعة مصانع ومركزى خدمات، ويستهدف نحو ٨ آلاف فرصة عمل مباشرة. ولا يقتصر المشروع على إنتاج الصلب، وإنما يشمل مكونات السيارات، والأجزاء المعدنية للأجهزة المنزلية، والمثبتات، وأجزاء الآلات، وأقراص الفرامل، والهياكل المعدنية، ومكونات السيارات، إلى جانب منتجات الصلب المدرفلة على الساخن والبارد.
وهذا النموذج يستحق التوقف عنده، لأنه يوضح عمليًا أن تعميق الصناعة يمكن أن يعنى تعميق ما بعد الصلب وليس فقط زيادة ما قبله. فكل مرحلة إضافية من القطع والتشكيل والتشغيل والمعالجة والتجميع تنقل جزءًا أكبر من القيمة إلى العمالة والهندسة والخدمات والموردين المحليين.
ومن هنا أرى أن مصر تحتاج إلى تغيير أحد المؤشرات التى نقيس بها نجاح سياسة صناعة الصلب. فعدد أطنان الصلب المنتجة يظل مؤشرًا مهمًا، لكنه لا يكفي. ينبغى أن نسأل أيضًا: كم تبلغ القيمة المضافة المحلية لكل طن؟ وكم وظيفة مباشرة وغير مباشرة يولدها كل مليار دولار من الاستثمار؟ والأهم: كم تبلغ القيمة المضافة المحلية مقابل كل وحدة من الكهرباء والغاز المستخدمة؟
• • •
هذا المؤشر الأخير بالغ الأهمية فى اقتصاد لا يملك فائضًا من الطاقة. فإذا كان طن من الصلب يحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء والغاز فى الصهر والصب، فإن استخدام طن الصلب ذاته فى تصنيع منتج هندسى أو مكون صناعى قد يخلق قيمة مضافة أكبر بكثير من مجرد إضافة مرحلة صهر جديدة. عندها تصبح الطاقة موردًا ينبغى تعظيم العائد الاقتصادى منه، وليس مجرد مدخل ينبغى تعظيم استهلاكه.
وبذلك لا يكون الخيار بين صناعة الصلب وبين الصناعات التحويلية، وإنما بين نموذجين لنفس الصناعة: نموذج يركز على زيادة الأطنان، ونموذج يركز على زيادة القيمة التى نخلقها من كل طن. المستقبل الأكثر كفاءة لصناعة الصلب المصرية لا يتمثّل فى أن تصبح مصر أكبر منتج للصلب الخام، وإنما فى أن تصبح أكثر قدرة على تحويل الصلب إلى منتج صناعى مصرى قابل للتصدير. فالمصنع الذى يبيع طنًا يشارك فى سوق سلعية عالمية شديدة المنافسة؛ أما المصنع الذى يحول هذا الطن إلى مكوّن لسيارة أو آلة أو محطة طاقة أو منشأة صناعية، فإنه يبيع منتجًا يحمل فى داخله قيمة الصلب والهندسة والعمالة والتكنولوجيا والخدمات. وهنا يصبح تعميق الصناعة تعميقًا حقيقيًا، لا بمجرد زيادة عدد الأطنان، وإنما بزيادة ما تضيفه مصر إلى كل طن قبل أن يغادر بوابة المصنع.
كاتب ومحلل اقتصادى