إن صحوة الأمم ويقظة الشعوب تدفعانهم عبر منعطفات كبرى إلى مراجعة شاملة لتحديد دورها المهم فى عالم اليوم، وما أحوجنا نحن العرب إلى تلك المراجعة بعد الأحداث الجسام التى عبرت عليها الدول العربية فى السنوات الأخيرة، وتلك التحولات المختلفة التى طرأت على القضية الفلسطينية وكذلك المشكلات الكبرى التى مست بشكل مباشر ذلك الكيان العربى التاريخى الكبير الذى يسكن وسط العالم يؤثر فيه ويتأثر به، فالدول العربية ليست مجموعة من الأصفار ولكنها حشود بشرية تملك الثروة والسلطة معًا وتستطيع أن تتفاعل مع الغير بالأخذ والعطاء، ولقد استيقظت هذه الأمة فى محطات مختلفة ومعروفة عبر تاريخنا الأممى وأحداثه الجسام، إننى أكتب هذه السطور وأنا أدرك جيدًا أن مخاضًا عربيًا جديدًا سوف يطفو على السطح ليؤثر فى عالمنا بعد أن يؤثر فينا بالتأكيد، وقد يرى البعض ــ ومعه الحق ــ أننا نواجه مرحلة انكسار تنتقل فيها العدوى من مرحلة إلى أخرى، فلقد كشفت النزاعات المسلحة الأخيرة أن الأمة العربية يتعيّن عليها إعادة النظر فى المسارات التى سلكتها فى العقود الأخيرة بقدر كبير من الجدية والاهتمام، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، لذلك فإننى أطرح إشارات إلى بعض المظاهر التى حكمت وجودنا وغيّرت تاريخنا وانعكست على حياتنا ونرصد منها الأحداث الكبرى الآتية:
أولاً: سوف تظل القضية الفلسطينية قضية العرب الأولى بل هى واحدة من أهم وأكبر قضايا العصر فى عالمنا المعاصر، لأنها تحتوى على جوانب استعمارية عنصرية وعدوانية توسعية، وتخالف فيها إسرائيل بتصرفاتها العدوانية كل الأعراف وتركل كل قواعد الشرعية التى ارتضاها المجتمع الدولى عبر مسيرته الطويلة، ولا يجب أن ننسى درس غزة لأنه سيبقى بمثابة المسمار الأخير فى نعش التعايش المشترك للدولة اليهودية وسط البحر العربى الواسع، وهى بحق مأساة العصر والجريمة الكبرى بحق الإنسانية لأنها تعكس مظاهر العدوان السافر والقتل بدم بارد وهدم البيوت وتخريب العمران والاستهانة بشعب يجرى تفريغ أرضه من وجوده واغتصاب حقوقه أمام المجتمع الدولى كله الذى لا يحرك ساكنًا، ولعل خروج أكثر من نصف الحاضرين فى الجمعية العامة للأمم المتحدة عندما بدأ نتنياهو فى إلقاء خطابه المستفز شكلاً وموضوعًا ما يعنى ببساطة أن القضية حية وأن العالم مستيقظ وأنه لا يضيع حق مادام هناك من يطالب به ويناضل من أجل استعادته.
ثانيًا: لعلنا نشاهد أن الخريطة التى رسمها الوجود الاستعمارى للحدود أصبحت هى الأخرى مادة للتندر والسخرية، فلقد خرقت الدولة العبرية كل الالتزامات الدولية وضربت عرض الحائط بكل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى بل واستخدمت كل أدواتها العسكرية والإعلامية للبطش بذلك الشعب القوى الذى يواصل القتال ويتمسك بخيار المقاومة أمام التصرفات العدوانية وهدم المنازل على رءوس أصحابها وتفريغ الأحياء من ساكنيها وتحريض المستوطنين المتطرفين على القيام باستفزازات واضحة يتركز معظمها حول المسجد الأقصى ثانى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، فى تحدٍ صارخ يدفع نحو التصعيد الدائم والاستهانة الكاملة فى الوقت نفسه بأرواح عرب فلسطين، ويكفى أن نتذكر هنا صورة الوزير الإسرائيلى الإرهابى بن جفير وهو يتوعد الفلسطينيين خلف الأسوار فى سجون الاحتلال ويهددهم بالإعدامات بتصريحات تعبر عن غطرسة الجبناء أمام شجاعة المناضلين وصمودهم الباسل فى مواجهة أدوات القتل والتعذيب وقهر الإرادة وسرقة الأرض وطمس الهوية وتلك كلها جرائم برع فيها الاحتلال الإسرائيلى عبر السنين، ولعلنا نلحظ أن المتغيرات الدولية تدور اليوم فى فلك مختلف يقوم على تكريس مظاهر التهجير لتصفية الوجود الفلسطينى وتفريغ الأرض من سكانها ومباشرة الاحتلال لعمليات ملء الفراغ ممن لا يستحقون وتسليم الأراضى لمن لا يملكون فالموازين مقلوبة والحقائق مطموسة والجرائم مستمرة.
ثالثًا: برزت فى العقود الأخيرة أطراف فاعلة دخلت فى سباق محموم للصراع الكبير فى الشرق الأوسط فظهر الدور الإيرانى فى المنطقة وذلك منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 وسيطرة الملالى على مقاليد الحكم فى طهران، واعتبار جنوب لبنان امتدادًا طبيعيًا للحكم الإيرانى وجر القضية الفلسطينية إلى حلبة الصراع الإقليمى فى المنطقة واعتبارها (قميص عثمان) الذى يرتديه كل من يبحث عن موقع قدم فوق أرض فلسطين أو لبنان بحيث أصبح الوجود الإيرانى شريكًا مباشرًا للخطر الإسرائيلى مع الفارق بينهما، وها هى الأمور تمضى على النحو الذى يريده آيات الله حتى أصبح لبنان مسرحًا للصراع وملعبًا لمباراة دامية بين طهران وتل أبيب، ولابد أن نشير هنا إلى نقطة هامة وهى أن الشعب الفلسطينى أيضًا يدفع فاتورة كل الأطراف دون عائد حقيقى باستثناء خطابات الإدانة وتصريحات الشجب التى لا تحرر أرضًا ولا تحمى شعبًا ولا تنصر أمة.
رابعًا: لقد أصيبت المنطقة العربية بداء عضال يتجسد فى تكوين الميليشيات العسكرية خارج إطار الدول وهو ما يؤدى إلى الانفلات الكامل والخروج على السيطرة الرسمية من جانب الحكومات، ولقد أدى ذلك أيضًا إلى ميلاد دول داخل الدول فحزب الله يتحكم فى مستقبل لبنان بدعوى أنه الحارس أمام احتمالات الاجتياح الإسرائيلى الذى يقبع فى مخططاتها منذ زمن بعيد، والشعب اللبنانى الصامد يحاول جاهدًا الحفاظ على استقلال الدولة وهيبة الحكم ولكنه يواجه بمواقف عبثية من جانب ساحات النضال التى تتحدث عنها إيران وتسعى بها إلى تحطيم وحدة الشعب اللبنانى وطمس هويته الوطنية قبل غيرها من الهويات المختلفة الدخيلة مهما كانت المبررات. لذلك أصبحت إيران لاعبًا رئيسًا فى المنطقة بل وجرت الشرق الأوسط وغرب آسيا معها إلى صراعات واضحة وحروب مكشوفة والأمر لا يتوقف عند حدٍ معين بل إن كل الاحتمالات تبدو مفتوحة بما فى ذلك محاولة إسرائيل جر النظام السورى الجديد إلى مواجهات داخلية وخارجية لا مبرر لها، ولكنها إسرائيل صانعة الأوهام وراعية الإرهاب وأم المشكلات.
خامسًا: لقد برزت خلال الآونة الأخيرة مشروعات مريبة وتدفقت بالونات الاختبار المختلفة على ساحة المنطقة العربية بدءًا بمشروع صفقة القرن للرئيس الأمريكى دونالد ترامب، أو التلويح بديانة شرق أوسطية جديدة تحت مسمى «الديانة الإبراهيمية» فى استفزاز واضح لستر جرائم إسرائيل ومحاولاتها خلق فزاعة طائفية وإقحام الدين فى الصراع الذى تشهده المنطقة فى السنوات الأخيرة، والذى ينذر بمواجهات غير محسومة العواقب، فالأديان رسالات سماوية وليست لعبة بشرية تتقاذفها الأهواء وتعبث بها المخططات، وهى تدعو فى مجملها إلى التعايش المشترك والإحساس الواحد بما يجب أن تكون عليه أحوال البلاد وحقوق العباد، ولعلنا ندرك أن فى جعبة إسرائيل الكثير للمستقبل القريب والبعيد لأنها نمط فريد من الاستعمار الخبيث الذى لا يردعه اتفاق ولا يحميه قانون، فكل الخيارات أمام الدولة العبرية مفتوحة على الدوام.
سادسًا: إن المناخ الدولى المعاصر والبيئة السياسية فى عالم اليوم تدل على ظهور مبررات للتصعيد، وهو أمر يستوجب أن يكون للعرب وقفة جديدة ونظرة مختلفة للأحداث فلن تمر الأوضاع على النحو الذى تريده قوى معادية للعرب لأنها داعمة للصراع راغبة فى تمزيق أواصر الأمة العربية بكل الوسائل والطرق، ولقد وعينا الدرس بعد الذى جرى فى غزة وفى لبنان ومحاولات التحرش التى تمارسها القوى المختلفة على حساب الصمود العربى والتماسك القومى.. إننا نحتاج اليوم إلى طريق واحد هو الميلاد الجديد لروح مختلفة وعقلية واعية ونظرة بعيدة لا تغيب عنها الحقائق ولا تبتعد عنها المواقف.. نعم إنه ميلاد جديد لأمة تستعيد روحها وتستذكر ماضيها وتفكر فى مستقبلها باهتمام ووعى.
نقلا عن إندبندنت عربية