الفنان هانى شنودة لم يكن من الأشخاص التكراريين الذين يوجد مثلهم ملايين البشر، لكنه كان من هذا الصنف المتفرد الذى يحمل رؤية فلسفية لكل الأشياء وأولها الموسيقى. أحببت فيه الإنسان المثقف والفنان المبدع والصديق الوفى. لهذا ما كاد يخبرنى أنه قادم إلى كندا لإحياء بعض الحفلات مع فرقته حتى طرت فرحا. فى هذه الفترة من بداية الألفية كنت أعيش وأعمل بمونتريال، ولم أكن قد التقيت هانى شنودة منذ فترة طويلة.. لهذا فقد أسعدنى لقاؤه فى منزل صديقنا عادل إسكندر بضاحية «لافال».
فى هذه الليلة ضحكنا مع هانى كما لم نضحك من قبل، وكانت فرصة لأن نطمئن على صحته بعد أن كان قد ألمّت به وعكة صحية أقلقتنا عليه. أخبرنى هانى عن فرقته الجديدة وقوامها مجموعة من الفتيات والشباب الواعدين.. والحقيقة أن للرجل تجربة مع المواهب الشابة سواء من خلال فرقة المصريين التى أسسها فى السبعينيات وقدمت أعمالا مبهرة ثم تشتت جمعها أو فى غيرها من التجارب الفنية. كان هانى يلتقط المواهب بعينه الخبيرة وأذنه الحساسة ثم يدربها ويصقلها، وبعد أن يصنع منهم نجوما يتركونه إما للزواج أو استجابة للغواية ممن يقطفون على الجاهز! أخبرنى هانى أن بصحبته هذه المرة فتاتين يمكن أن تصبحا من نجوم المرحلة القادمة وأنه يود أن يعرّفنى عليهما. طلبت منه أن يكون ضيفى فى اليوم التالى على العشاء هو وفرقته، فقبل الدعوة مُرحبًا..
قبل الموعد المحدد اتصل بى هانى تليفونيا يستأذن فى السماح بحضور فردين آخرين نسى أن يخبرنى بشأنهما هما أم كل من الفتاتين أعضاء الفرقة، حيث لم توافق أى من الوالدتين على سفر ابنتها بمفردها خارج مصر للمرة الأولى وأصرت أن تأتى معها لترعاها فى الغربة وتمنعها من الزلل! ولم ينس شنودة أن يشكو من صعوبة أن يكون المرء فنانًا فى مصر، حيث تأتى الفتاة وأحيانًا الشاب يريد أن يغنى وبصحبته أمه وخالته لحمايته من الوحوش الذين يتخذون من الوسط الفنى مقرا لهم!.. المهم استأذن الفنان الكبير فى أن نضيف إلى المائدة الضيفتين الجديدتين. رحبت طبعًا وقلت له إن بإمكانه أن يحضر معه من يشاء. لكنى فى الوقت نفسه شعرت بالحيرة ووجدت أنه يتعين علىّ أن أغير مكان الدعوة، حيث إن المطاعم فى مونتريال هى بالضرورة مطعم وبار فى الوقت نفسه.. صحيح أن بإمكان المرء أن يأكل ويشرب بيبسى وينصرف، لكنى لم أجد من اللائق أن أدعو سيدتين محترمتين قدمتا من مصر لرعاية ابنتيهما بما يدل على الطابع المحافظ لكل منهما.. لم أجد مناسبا أن أجلس بهما فى مكان يقدم المشروبات الروحية، فقمت بإلغاء الحجز فى المطعم الذى حجزت به، وشرعت أبحث عن مكان جديد حتى عثرت على مطعم يقدم المأكولات الشرقية، ويتميز بأن البار الملحق به يقع بعيدا فى آخر الرواق ولا يمكن ملاحظته للجالسين فى الموائد الأمامية.
فى الموعد تمامًا أقبل هانى بصحبة صديقنا عادل وزوجته نانسى ومعه أعضاء الفرقة وامرأتان فى منتصف العمر أدركت على الفور من هيئتهما أن كلا منهما هى أم واحدة من نجمتى الفرقة. سلمت عليهم جميعا واستقبلتهم بالترحاب اللائق بضيوف من مصر التى طال غيابى عنها.
أقبل النادل بعد قليل يأخذ الطلبات، وقام كل فرد باختيار الطبق الذى يرغبه ونوع السلاطة والشوربة، ثم بادرنا النادل بالسؤال: ماذا أحضر لكم كشراب؟ لدينا نبيذ من أفخر الأنواع وهو مسجل باسم المطعم أود أن تجربوه. سارعتُ أقطع عليه الطريق قائلا: لا..لا نريد مشروبات روحية..هات لنا بيبسى وسفن وتشكيلة عصائر. قلت هذا ثم نظرت إلى هانى الذى رمقنى بنظرة استحسان. لكن لدهشتى الشديدة فوجئت بأم إحدى الفتاتين تسأل الجرسون: ممكن أطلب حاجة تانية؟ قال لها: اطلبى ما شئتِ. قالت: هل أستطيع أن آخذ
Screw driver on the rocks
فأومأ الرجل بالإيجاب. أخذتنى المفاجأة فسألت الجرسون: ما هذا الذى طلبته السيدة؟ قال: لقد طلبت فودكا بالثلج. قلت له: إنها لم تقل فودكا بالثلج. أجاب: سكرو درايفر هو الاسم الدارج للفودكا، وروكس لا تعنى الصخور، إنما تعنى مكعبات الثلج.
نقلت عينى بين السيدتين وبين هانى شنودة وأنا غير مصدق ثم سألت السيدة الثانية: وأنت يا حاجّة تشربى إيه؟ قالت بدون تردد: أنا سآخذ باكاردى بدون ثلج مع كولا. قلت للنادل وأنا سيغمى علىّ من شدة الضحك: هل فهمت ما قالته لك عمتك؟ قال: طبعا فهمت.. هى ستشرب روم ممزوجا بالكولا!.. وبعدها طبعا لم يدهشنى أن الفتاتين قد شربتا برميلًا من النبيذ فى وجود الملاك الحارس لكل منهما!.
ظللت سنينًا طويلة كلما لقيت هانى شنودة أغرق معه فى الضحك وأتذكر كم كنت ساذجًا إلى حد العبط عندما ألغيت حجز المطعم الأول وأجهدت نفسى فى البحث عن مكان محافظ يليق بوقار سيدتين إحداهما من شبرا والأخرى من بولاق قدمتا إلى القطب الشمالى من أجل حراسة الفتاتين، فإذا بهما تقلبان المائدة وتُحدثان مفاجأة من العيار الثقيل، فتطلب إحداهما «سكرو درايفر أون ذا روكس» وتطلب الأخرى «باكاردى ويذاوت روكس!»
الله يرحمك يا هانى ويلحقنا بك على خير.