المواجهة العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران عبرت بوضوح شديد عن حجم التباين الهائل بين فكر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، القائم على ضرورة إنجاز الصفقات سريعا، كونه قادما من عالم المال والأعمال، وبين الطرف الإيرانى الذى تحكم عقيدته التفاوضية ثقافة «حياكة السجاد»، التى تعتمد على الصبر والنفس الطويل والخطوات البطيئة للوصول إلى أفضل اتفاق وأقصى استفادة ممكنة.
هذا التباين والتباعد والاختلاف فى طريقة التفكير والحركة واتخاذ القرار، ساهم فى رفع منسوب التوتر والاضطراب والتأزم بين الطرفين، بل وصدّر اليأس والإحباط والصدمة بشكل كبير للرئيس الأمريكى، الذى كان يتطلع ويتلهف منذ أسابيع إلى الحصول على توقيع طهران على اتفاق لوقف الحرب، يسوق به لانتصار لم يحصل عليه فى ميادين المعارك وساحات القتال وبقوة السلاح والقدرات العسكرية الفتاكة التى تملكها بلاده واستخدمتها بالفعل ضد أهداف عسكرية واقتصادية ومدنية وتعليمية على كافة الأراضى الإيرانية.
هذه الجولة من المواجهات، لم تكن كبيرة ولم تتحول إلى حرب واسعة ممتدة مثل جولة القتال الأولى التى استمرت أكثر من أربعين يوما، حيث حددت القيادة المركزية الأمريكية هدفها فى البداية، عندما قالت إنها «شنت ضربات دفاعية ضد أهداف متعددة فى إيران»، وهى رسالة واضحة تشير إلى محدودية عمق ومدى الهجوم، كما أن صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية نقلت عن وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» تأكيدها أن «الهجمات عمل من أعمال الدبلوماسية القسرية يهدف إلى إجبار إيران على تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات»، وهو الهدف الحقيقى من وارء تلك الضربات.
ليس هذا فقط، بل إن شبكة «سى إن إن» الإخبارية الأمريكية، نقلت فى بداية المواجهات عن مصدر دبلوماسى أمريكى قوله إن المحادثات الرامية إلى التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران لا تزال على مسارها الصحيح على الرغم من تبادل الولايات المتحدة وإيران للهجمات الجوية، فيما صرحت ثلاثة مصادر إيرانية لوكالة رويترز للأنباء بأنه «تم تكثيف الجهود المبذولة لكى تتوصل إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق مبدئى رغم الضربات التى شنها الجانبان، وأنهما يناقشان آلية للإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة».
إذن الهدف من «الدبلوماسية القسرية» أو استخدام السلاح والقوة من جانب الولايات المتحدة ضد إيران، لم يكن إسدالا للستار على العملية التفاوضية معها، ولكن دفعها إلى تسريع الخطى من أجل التوصل إلى اتفاق ينهى هذه الحرب رسميا، هو ما حدث بالفعل، وفقا لتأكيد ترامب الذى كان يشعر بالإحباط والإحراج بعدما صرح قرابة ما لا يقل عن ٣٨ مرة منذ ٢٣ مارس الماضى بأن الولايات المتحدة وإيران تقتربان من اتفاق، أو أن طهران تبدى رغبة كبيرة فى إبرامه، بحسب تحليل نشرته شبكة «سى إن إن» الأمريكية مؤخرا.
فى المقابل، لم يكن لجوء إيران إلى التصعيد أو التحدى العسكرى المحسوب بدقة فى الأيام الماضية - وتحديدا عندما أطلقت دفعات من صواريخها على إسرائيل وكذلك إسقاطها لمروحية أمريكية فوق مضيق هرمز- يستهدف «جر شكل» الطرفين أو استدراجهما لمواجهة واسعة ومدمرة، ولكن محاولة جادة لتثبيت قواعد ومعادلات جديدة فى التعامل بندية وقوة وردع مع أى دولة قد تبادر بالعدوان على أراضيها أو تستهدف مصالحها، وكذلك الوصول إلى الحد الأقصى من الفوائد فى أى اتفاق مرتقب لوقف الحرب مع الولايات المتحدة، لاسيما الحصول على ضمانات حقيقية تمنع تجدد العدوان عليها بشكل نهائى والإفراج عن أموالها المجمدة ووقف الحرب على حزب الله اللبنانى، الحليف الأبرز لها فى المنطقة.
على أى حال، يدرك الجميع أنه من الصعب التنبؤ بتصرفات وسلوك ترامب المتناقض وغير المستقر والعشوائى والفوضوى فى كثير من الأحيان، وبالتالى فإن إعلانه وقف الحرب ليس سوى محاولة لتجاوز الشعور بالإحباط والصدمة جراء عدم تحقيقه نصرا حاسما فى مواجهة إيران، وقد يدفعه ذلك مستقبلا إلى اتخاذ سياسات وقرارات ومواقف عنيفة غير محسوبة العواقب للحفاظ على هيبة بلاده وصورتها كقوة عظمى تعرضت للإذلال بالفعل على يد دولة محدودة الإمكانات العسكرية والاقتصادية وخاضعة لعقوبات صارمة منذ عقود، وبالتالى ينبغى على طهران الحذر جيدا، حتى لا تتعرض لعدوان جديد من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل اللتين تتمنيان محو إيران من الخريطة.