نشر مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة مقالا للكاتب إيهاب خليفة، يؤكد فيه أن العالم يشهد اليوم انعطافة تاريخية فى مسار الثورة الرقمية؛ حيث لم يعد الذكاء الاصطناعى مجرد برمجيات ذكية، بل تحول إلى مورد سيادى استراتيجى يُنتج داخل منشآت عملاقة تُعرف بـ «مصانع الذكاء الاصطناعى». وفى عام 2026، يتسارع السباق العالمى بين القوى الكبرى والشركات الرائدة لاستكمال بناء بنية تحتية تريليونية تعيد تعريف مفهوم الإنتاج؛ حيث تُحوّل هذه المصانع سيل البيانات الضخم إلى طاقة معرفية وقرارات ذكية فى الزمن الحقيقى. ومن خلال مشاريع مليارية عابرة للحدود ــ مثل «ستارجيت» فى أمريكا والإمارات ــ تتشكل خارطة اقتصادية وجيوسياسية جديدة، لا تُقاس فيها قوة الدول بحجم آلاتها التقليدية، بل بقدرتها على توليد الذكاء ودمجه فى صلب أمنها واقتصادها الوطنى.. نعرض من المقال ما يلى:
مع تسارع التحولات العالمية فى البنية التحتية الرقمية، تتجه دول كبرى وشركات رائدة إلى استكمال إنشاء أولى مصانع الذكاء الاصطناعى ومراكز الحوسبة فائقة القدرة، التى يجرى الاستثمار فيها منذ عام 2025 بمئات المليارات من الدولارات. ويشير المسار المتسارع لهذه المشاريع إلى أن عام 2026 سيشهد بدء تشغيل تجمعات حوسبية عملاقة؛ ما يرفع قدرات الدول والشركات على تدريب النماذج الضخمة وتشغيلها بكفاءة أعلى، ويعزز سباق الاستثمار العالمى نحو الحوسبة الفائقة والهجينة. ومن شأن هذه الانطلاقة أن تُحدث نقلة نوعية فى جودة أنظمة الذكاء الاصطناعى الجديدة، وتُسرع دمجها فى القطاعات الإنتاجية والاقتصاد الرقمى.
تحول المعلومة إلى طاقة إنتاجية:
شهد عام 2025 ظهور مصطلح مصانع الذكاء الاصطناعى (AI Factories)، الذى تحدث عنه جينسن هوانج، الرئيس التنفيذى لشركة «إنفيديا»، ويقصد به الجيل الجديد من البنى التحتية الرقمية التى تعيد تعريف القيمة فى الاقتصاد المعرفى؛ حيث تقوم بتحويل البيانات الخام إلى ذكاء قابل للاستخدام عبر منظومة متكاملة تدير دورة حياة الذكاء الاصطناعى بأكملها؛ بدءا من جمع البيانات وتنظيمها، مرورا بتدريب النماذج وضبطها، وانتهاءً بعمليات الاستدلال واسعة النطاق. وفى هذه البيئة، يصبح الذكاء ذاته منتجا اقتصاديا يُقاس بعدد الرموز (tokens) القادرة على توليد نماذج جديدة.
فعلى خلاف مراكز البيانات التقليدية التى تُصمم لمعالجة مهام حوسبية عامة، فإن مصنع الذكاء الاصطناعى يُبنى حول غاية محددة؛ وهى تسريع إنتاج المعرفة الاصطناعية بكفاءة طاقية وحوسبية عالية. ويعمل من خلال منظومة مترابطة من العمليات التى تُحوِّل البيانات إلى نماذج، والنماذج إلى قرارات، والقرارات إلى ذكاء تراكمى يتطور ذاتيا.
وتتكون هذه المصانع من عدة وحدات، تمثل خطوط البيانات (Data Pipelines) العمود الفقرى للمصنع؛ إذ تُحوِّل البيانات غير المنظمة إلى وحدات معرفية صالحة للتعلم. وكلما ازدادت جودة هذه البيانات ونقاؤها؛ انعكس ذلك على موثوقية مخرجات النماذج وسلوكها على نطاق واسع.
أما الاستدلال (Inference) فهو القلب النابض للمصنع؛ إذ تتم فيه عمليات اتخاذ القرار فى الزمن الحقيقى عبر نماذج مدربة تستجيب فوريا لمدخلات جديدة، سواء فى التوصيات الذكية أم كشف الاحتيال أم تشغيل الأنظمة الذاتية أم غيرها. وتقوم نتائج هذه العمليات بإعادة تغذية النظام ذاته، فى دورة تراكمية تُحسّن دقة الأداء بمرور الوقت وتُسرّع نمو الذكاء المؤسسى.
لكن قبل إنشاء مصانع الذكاء الاصطناعى مادياً، يُعاد تصميمها افتراضياً عبر ما يُعرف بـ«التوءم الرقمى» (Digital Twin)؛ وهو نموذج ثلاثى الأبعاد يحاكى بدقة البنية التشغيلية الكاملة للمصنع. وتتيح هذه المحاكاة اختبار الكفاءة، وتوقع الأعطال، وتحليل الأداء؛ بما يقلل المخاطر ويختصر زمن التنفيذ. وهكذا يتحول التخطيط من عملية خطية إلى بيئة تجريبية ديناميكية تُدار فى الزمن الحقيقى.
بشكل عام، يمكن القول إن مصانع الذكاء الاصطناعى تمثل البنية التحتية لعصر جديد تتداخل فيه المعرفة مع الطاقة والإنتاج، حيث لا يُقاس التقدم بعدد الآلات؛ بل بقدرة الأنظمة على توليد الذكاء بوصفه موردا استراتيجيا يعيد تشكيل الاقتصاد والإدارة والأمن، بل وربما مفهوم القوة ذاته فى المستقبل.
نماذج الحوسبة الفائقة والهجينة:
فى اليوم الثانى من تولى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب منصبه فى يناير 2025، أعلن عن مشروع «ستارجيت»؛ وهو مشروع ضخم يضم شركات مثل «أوبن إيه آى» و«سوفت بنك» و«إنفيديا» و«أوراكل»؛ لبناء بنية تحتية ضخمة للذكاء الاصطناعى فى الولايات المتحدة الأمريكية، بتكلفة تصل إلى نصف تريليون دولار.
كما وقّع الرئيس ترامب مع رئيس الوزراء البريطانى، كير ستارمر، فى سبتمبر 2025، اتفاق الازدهار التكنولوجى بقيمة تصل إلى 350 مليار دولار، تشمل استثمارات ضخمة فى البنية التحتية للذكاء الاصطناعى، والحوسبة الكمية، وأشباه الموصلات، والطاقة النووية المدنية. ومن أبرز الالتزامات التى تضمنها الاتفاق: استثمار «مايكروسوفت» نحو 22 مليار جنيه إسترلينى فى بناء حاسوب فائق للذكاء الاصطناعى، ونشر «إنفيديا» ما يقارب 120 ألف معالج رسومى بقيمة 11 مليار جنيه إسترلينى، إلى جانب استثمار «جوجل» 5 مليارات جنيه إسترلينى فى مركز بيانات جديد. كما يشمل الاتفاق تسريع تراخيص مشاريع المفاعلات النووية وتطوير «مناطق نمو» للذكاء الاصطناعى فى شمال شرقى إنجلترا.
وعلى النهج نفسه، وقّعت الإدارة الأمريكية اتفاقا مع كوريا الجنوبية، فى أكتوبر 2025، لتعزيز التعاون فى مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكار؛ حيث يركز على تعظيم التعاون بين البلدين فى مجالات الذكاء الاصطناعى، بما فى ذلك النماذج التوليدية وتطبيقاتها فى القطاعات الإنتاجية، وأشباه الموصلات، والحوسبة الفائقة، والحوسبة الكمية، والطاقة النظيفة، والتقنيات المستدامة، مع التركيز على الحد من البصمة الكربونية فى الصناعات التكنولوجية.
وفى أوروبا، أُعلنت شراكة بين «ميسترال إيه آى» (Mistral AI) الفرنسية و«إنفيديا»، فى يونيو 2025، لإنشاء منصة بنية تحتية للذكاء الاصطناعى فى فرنسا بقدرة كهربائية تقارب 1٫4 جيجاواط. كما أعلنت شركة «آكر آسا» (Aker ASA) النرويجية، بالشراكة مع «إنسكيل جلوبال هولدنجز» (Nscale Global Holdings) البريطانية و«أوبن إيه آى»، فى أواخر يوليو 2025، عن بناء منشأة ذكاء اصطناعى باستثمار أولى يُقدر بنحو مليار دولار فى شمالى النرويج لتشغيل نحو 100 ألف شريحة من «إنفيديا» بحلول نهاية 2026.
أما فى الشرق الأوسط، فأعلنت مجموعة من الشركات المتخصصة فى التكنولوجيا فى دولة الإمارات العربية المتحدة، تضم «جى 42» و«أوبن إيه آى» و«أوراكل» و«إنفيديا» و«سوفت بنك» و«سيسكو»، فى مايو 2025، إطلاق مشروع «ستارجيت الإمارات»، فى خطوة تاريخية نحو تعزيز الذكاء الاصطناعى وتعميق التعاون الدولى. ويُعد المشروع تجمعا حوسبيا متطورا للبنية التحتية للذكاء الاصطناعى بسعة 1 جيجاواط، وسيُقام ضمن مجمع الذكاء الاصطناعى الإماراتى الأمريكى الجديد فى أبوظبى، الذى تصل سعته الكلية إلى نحو 5 جيجاواط. ويهدف المشروع إلى توفير بنية تحتية متطورة وقدرات حوسبة على مستوى الدولة، مع تقليل زمن معالجة البيانات لضمان تقديم حلول ذكاء اصطناعى تلائم متطلبات عالم يشهد نموا متزايدا فى هذا المجال، ومن المتوقع بدء تشغيل أول تجمع حوسبى هذا العام.
مجمل القول إن هذا التوجه لبناء بنية تحتية ضخمة لمصانع الذكاء الاصطناعى؛ سيكون له تأثير مباشر خلال الفترة المقبلة، سواء فى الاستثمارات أم فى كفاءة نظم الذكاء الاصطناعى الجديدة.
النص الأصلى