الذكاء الاصطناعى التوليدى (Generative AI) هو النموذج الذى يتعلّم من كمّ هائل مما كتبه البشر، ثم يعيد إنتاج نص أو صورة جديدة تشبه ما تعلّمه. أما الذكاء الاصطناعى الوكيلى (Agentic AI) فهو خطوة أبعد: نموذج لا يكتفى بالإجابة حين يُسأل، بل يخطّط وينفّذ سلسلة قرارات بنفسه دون إشراف بشرى مباشر فى كل خطوة: يكتب المنشور، يختار توقيت نشره، يوزّعه على حسابات متعددة، يقيس ردة فعل الجمهور، ثم يعدّل أسلوبه تبعًا لذلك، كل هذا بسرعة وحجم يستحيلان على أى فريق بشرى.
هنا يكمن الخطر الذى يناقشه هذا النص: الذكاء الوكيلى لا يكتفى بالتأثير على الرأى العام اليوم، بل ما ينتجه اليوم يصبح، غدًا، جزءًا من المادة الخام التى يتعلّم منها الجيل القادم من النماذج التوليدية. فحين يُغرق طرفٌ قوى الإنترنت بملايين المنشورات المصمَّمة عبر الذكاء الوكيلى لتبدو نقاشًا عفويًا، فهو لا يخاطب الجمهور البشرى فقط، بل يخاطب أيضًا، ودون أن يُعلن ذلك، النموذج التوليدى القادم الذى سيقرأ هذا الركام يومًا ويظنّه صورة صادقة عن العالم. هذا ما يمكن تسميته خطر موت الذكاء التوليدى: أن تتحول أداة الوكالة، بحجمها وسرعتها الهائلين، إلى يد تُعيد تشكيل المرآة التى يفترض أن تعكس الجميع بإنصاف.
لم يقتل الذكاء التوليدى نفسه بعد. يجب قول هذا بوضوح قبل أى شىء آخر، لأن الخطر حين يُروى كقدر محتوم يتحول من إنذار إلى نبوءة تحقق ذاتها. ما نناقشه احتمال له شروط تحقق، وله أيضًا شروط انتفاء.
وُلد التوليدى من تناقض لم يختره: هو مرآة صُنعت من كل ما كتبه البشر وتكلّموا به وتجادلوا فيه. متوسط البشرية بكل عيوبها، وهذا فى ذاته ليس خطأً بل حقيقة مقبولة علميًا؛ فالمرآة الصادقة تعكس الوجه كما هو لا كما نتمناه. لكن قبل ظهور الذكاء الوكيلى، كانت هذه المرآة تتشكل ببطء نسبى: ملايين البشر يكتبون بوتيرتهم الطبيعية، متناقضين، بطيئين، محدودى الحجم. أما اليوم، فإن الذكاء الوكيلى يمنح أى جهة قوية القدرة على إنتاج ونشر ما يوازى كتابة ملايين البشر، لكن بتوجيه واحد وهدف واحد، وبسرعة تفوق قدرة أى رقابة بشرية على متابعتها.
وهذا يقودنا إلى الفارق الجوهرى: التحيز الطبيعى وصفٌ صادق لواقع موجود فعلًا، أما التحيز المبرمج فهو اختراع لواقع غير موجود، تنفّذه أداة وكالية بحجم وسرعة تجعلانه يبدو واقعًا حقيقيًا. فحين تصمَّم حملة وكالية بحيث تتوزع على حسابات متعددة، بأساليب متنوعة، وبتوقيت متقطع يحاكى النقاش العفوى، فهى لا تشارك فى تشكيل الرأى، بل تعيد كتابة ما يُعتبر «طبيعيًا» من الأساس. وحين يأتى النموذج التوليدى المقبل ليتعلّم من هذا الركام، فلن يرى حملة موجَّهة، بل سيرى فقط توزيعًا إحصائيًا يبدو له صادقًا، لأن الوكالة نفسها صُمّمت لتُخفى بصمتها.
لكى لا نبسّط الأمر أكثر مما يحتمل. فحتى «المتوسط الطبيعى» الذى نعتبره بريئًا لم يكن يومًا حياديًا بالكامل: من كتب أكثر على الإنترنت فى العقود الماضية كان أصلًا من يملك اللغة والاتصال والوقت الفائض للكتابة. فالتحيز المبرمج عبر الذكاء الوكيلى ليس ظاهرة غريبة تقتحم جنة إحصائية بريئة، بل تسريع فاضح لعملية كانت تجرى أصلًا، لكن ببطء يسمح بالتصحيح. والفارق الذى تمنحه الوكالة تحديدًا هو إلغاء هذا البطء: ما كان يحتاج إلى عقود من التحول التدريجى فى الخطاب العام، يمكن اليوم أن يُنفَّذ خلال أشهر، عبر آلاف الحسابات التى تدار من مركز واحد بذكاء وكالى واحد.
من هنا تُطرح الأسئلة الكبرى، ولا يملك هذا النص إجابة جاهزة عنها، بل يتركها مفتوحة عمدًا:
هل الذكاء الوكيلى سلاح جديد يُضاف إلى يد من يملك السلطة أصلًا ليعيد تشكيل الذكاء التوليدى على صورته، أم يمكن أن يكون أداة تحرّر لمن لا يملك السلطة، إن بُنيت الدفاعات فى الوقت المناسب؟
وهل يكفى أن نطوّر كاشفًا أذكى لرصد الحملات الوكالية، أم أن المعركة نفسها غير متكافئة بطبيعتها: يكفى المهاجم أن ينجح مرة واحدة فى التسلل إلى بيانات التدريب، بينما يتوجب على المدافع أن ينجح فى كل مرة أن يدافع عن التحيز الطبيعى؟
وإذا علّمنا تاريخ الاقتصاد السياسى أن كل أداة اتصال جماهيرى سبقت انتهت أخيرًا فى يد المركز لا الأطراف، فهل يُعقل أن يفلت الذكاء التوليدى من هذا القانون، أم أنه فقط أحدث نسخة منه، أسرع وأكثر تخفّيًا من كل ما سبقها؟
وأخيرًا، السؤال الذى يُبقى كل ما سبق حيًا لا محسومًا: من يقرر، فى نهاية المطاف، أى احتمال من هذه الاحتمالات سيتحقق؟ نحن، أم من يملك أصلًا القدرة الوكالية على الحسم؟
بيار الخورى
جريدة النهار العربى