حين يصمت الهاتف.. عن الوحدة الرقمية فى عصر الإشعارات - قضايا تكنولوجية - بوابة الشروق
الإثنين 19 يناير 2026 1:03 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار حسام حسن في الإدارة الفنية للمنتخب؟

حين يصمت الهاتف.. عن الوحدة الرقمية فى عصر الإشعارات

نشر فى : الثلاثاء 13 يناير 2026 - 6:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 13 يناير 2026 - 6:55 م

ماذا يحدث إذا لم يصلنا إشعار الهاتف لساعات؟ فى زمنٍ لا نتوقّف فيه عن تلقّى الإشعارات، يبدو الصمت حدثاً غريباً، وكأن العالم توقّف فجأة. تلك اللحظة التى أمدّ فيها يدى لالتقاط الهاتف ولا أجد رسالة أو مكالمة أو صوتاً، تشبه اتّساع مساحة الفراغ من حولى.

نعيش اليوم وسط ضوضاء رقمية لا تهدأ: أصوات النقر، التنبيهات، فلاشات صغيرة تضىء الشاشات، ورسائل لا تنتهى. ومع ذلك، فإن أكثر اللحظات التى تشعرنى بثقل وجودى هى تلك الخالية تماماً من الضجيج، لحظات الوحدة الرقمية التى تجعلنى أسمع نفسى أكثر، وأرى العالم من حولى بشكل أوضح.

ما هى الوحدة الرقمية؟

فى اللحظات التى يتوقّف فيها هاتفى عن تلقّى الإشعارات، ويصمت البريد الإلكترونى ورسائل وسائل التواصل الاجتماعى، أشعر بشىء أشبه بالفراغ. ليس الفراغ المادّى، بل شعور بالوحدة على الرغم من أننى محاطة بعالم متّصل بالإنترنت طوال الوقت.

فالوحدة الرقمية كما أعيشها، ليست غياب الناس عن حياتى بل غياب التفاعل الفورى، وانقطاع إشارات الاهتمام التى اعتدت عليها. هى الشعور بالعزلة حين تتوقّف الأجهزة عن تذكيرنا بأن هناك من يفكّر فينا أو يريد التواصل معنا، فتبدو الشاشات صامتة والوقت ممتدّاً بلا معنى، وكأن العالم الرقمى كلّه قد تجمّد.

لكنّ هذه اللحظات تدفعنى إلى التوقّف والتفكير، وربما لاكتشاف أن الاتّصال الحقيقى لا يُقاس بعدد الرسائل أو الإشعارات، بل بعمق التواصل الذى أفتقده فى أثناء هذا الصمت الرقمى، الذى يفرض علىَّ مواجهة نفسى، فأُدرك أن غياب الرسائل ليس دائماً غياب العلاقات، بل أحياناً مساحة نادرة لأستعيد إيقاعى الداخلى، بعيداً عن الضجيج الذى تفرضه حياتنا الرقمية.

حين يصمت الهاتف لساعات طويلة، تصبح الوحدة الرقمية أكثر من مجرّد شعور بالفراغ، إنها اختبار للذات. فى هذا السكون، أواجه نفسى دون إشعارات. تتسلّل أمامى أسئلة بسيطة لكنّها مزعجة: هل أستطيع الاكتفاء بالهدوء الداخلى؟ هل يمكننى أن أكون موجودة لنفسى قبل أن أبحث عن تأكيد وجودى فى هواتف الآخرين؟

لا أملك إجابات واضحة، لكنّ المؤكّد أنه حين يصمت الهاتف طويلاً، لا ينتهى العالم بل يبدأ جزء آخر منه لطالما تجاهلته. وهنا، فى هذا الصمت، أُدرك أن وجودى ليس مشروطاً بإشعارات أو رسائل، وأن اللحظة الحقيقية تبدأ من داخلى.

حين يصبح الصمت مرآة

لكنّ الوحدة الرقمية ليست دائماً عدواً، بل يمكن أن تشكّل مساحة أرى فيها نفسى بوضوح لم أعتده، وتمنحنى فرصة للتأمل بهدوء. فحين تتوقّف الإشعارات، أُصغى إلى صوتى الداخلى وأسائل نفسى بصدق، وهذا ما تحدّث عنه الفيلسوف الألمانى مارتن هايدجر. فهو رأى أن الصمت ليس فراغاً بل شكل من أشكال الإصغاء، وربما لا يبدأ الإصغاء الحقيقى إلى الآخر إلا حين نستمع أوّلاً إلى أنفسنا، فى صمت لا يعكّره رنين الهاتف.

وهذا الصمت لا يعنى غياب الكلمات، بل يمنح الذات لحظات أكثر صفاء وسط ضوضاء الحياة اليومية. هو يسكن بين إشعاراتنا ورسائلنا غير المقروءة، وفى تلك اللحظة التى نلتقط فيها الهاتف فلا نجد سوى شاشة ساكنة. وفى زمن أصبح الكلام فيه متاحاً على مدار الوقت تغيّر معنى السكوت، حتى أصبحت الكلمات دون معنى تقريباً.

الضجيج الذى يُخفى وحدتنا

نعيش يومياً على وقع أصوات النقر والتنبيهات التى لا تهدأ، ووميض الشاشات، ورسائل لا تنتهى. كلّ ذلك يُشعرنا أننا دائماً متّصلون بالعالم، لكنّ هذا الضجيج يُخفى فى الواقع وحدتنا.

فبين الإشعارات و«الميمز» والمنشورات السريعة، يصعب علىَّ أحياناً أن أميّز بين الاتّصال الحقيقى وما هو مجرّد وجود ظاهر فقط. أشعر أننى مجتمعة مع الآخرين، بينما فى الواقع أنا بمفردى، محاصرة بشاشات تُبعدنى عن صوتى الداخلى ويخيّم علىَّ شعور بالقلق. شعور لا أعرف له سبباً واضحاً، القلق من اللا شىء، من الانتظار، من غياب إشارة صغيرة على شاشة مضيئة تُشعرنى بوجودى. قلق متّصل بجهاز صغير فى أيدينا، ونحن ننتظر علامة «يكتب الآن»، هو القلق الصامت الذى تولّده الآلة، فيتحوّل إلى انتظار لا ينتهى.

وربما تكمن قيمة الوحدة الرقمية هنا، فى أنها تمنحنا الفرصة للالتفات إلى التفاصيل التى نفقدها وسط ضجيج الحياة. فى صمت الإشعارات، ألتفت فجأة إلى ضحكة لم تُسمع، أو حتى إلى فكرة لم أجرؤ على التفكير فيها من قبل.

الوحدة هنا ليست غياب الآخرين، بل مساحة لأخلق شيئاً جديداً فى داخلى، قد يكون رؤية وسؤالاً أو مجرد هدوء أختبره للمرة الأولى. ربما يكون هذا الصمت بداية رحلة لم أفهمها بعد، نحو شىء ينبع من داخلى ويُشعرنى بأننى موجودة حقاً بعيداً عن الشاشة والضجيج.

منى حمدان

موقع درج

النص الأصلى:

قضايا تكنولوجية قضايا تكنولوجية
التعليقات