أُتيحت لنا فرصة خلال الفترة الأخيرة للتحدث فى منتدى أكاديمى عن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، مشاركًا فى النقاش حول هذا الموضوع، بالتركيز على بعض الدروس المستفادة من التجارب الدولية للمناطق الاقتصادية والتكنولوجية والمناطق الحرة والشاطئية؛ كيما تحقق منطقة قناة السويس ما يُعلَّق عليها من آمال وتوقعات من الأطراف المعنية، بدءًا من المستوى السياسى، مرورًا بالقيادات الإدارية العليا والوسطى، وانتهاءً بقادة الرأى، وتوجهات الرأى العام.
ويبدو مما استمعت إليه، أو قرأته، أن هناك إنجازًا طيبًا يتمثل بصورة عامة فى إنهاء الجانب التأسيسى للمنطقة بصورة ناجحة نسبيًا إلى حد كبير، خاصة فى مجال البنية الأساسية، وبصفة أخص الموانئ المطلة على المشروع، مثل «العين السخنة» و«شرق بورسعيد»، إضافة إلى النقاط المحيطة بالمشروع، خاصة فى (القنطرة شرق وغرب)، و«شرق الدلتا».
وربما يكون من حُسن الطالع لمنطقة قناة السويس أنه سبقتها تجارب عالمية عديدة متنوعة ذات باع طويل فى التطور الكمى والنوعى للمناطق الاقتصادية منذ مطلع سبعينات القرن العشرين وحتى الآونة الراهنة. وكانت دول الشرق الأقصى وجنوب شرق آسيا، والدول أعضاء رابطة (الآسيان)، سبّاقة فى مختلف الأبعاد المتعلقة بمثل هذه المناطق.
• • •
فما الذى أمكن الإفادة منه من التجارب المتنوعة المذكورة من مختلف المناحى؟ فيما يلى نعرض لعدد من الدروس المستفادة، مقارنة بالحالة المصرية ما أمكن.
أولًا: توفر الإرادة السياسية كشرط ضرورى، وإن لم يكن كافيًا بذاته، لإقامة وتطوير المناطق الاقتصادية والتكنولوجية. هذا ما حدث فى التجارب الناجحة السابقة، وخاصة فيما يسمى (الجيل الأول للبلاد حديثة التصنيع) فى آسيا، وشرقيها بالذات، كما فى كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة.
ويبدو أن هذا الشرط متوفر فى الحالة المصرية، من خلال الدعم الذى يتلقاه مشروع (قناة السويس) على مختلف الأصعدة من القيادات العليا وما يتلوها، بما لا يترك زيادةً لمستزيد فى هذا الباب، كما يبدو. ولا يبقى إلا أن تقوم الإدارة المسئولة لمنطقة قناة السويس بما يفترض أن تقوم به، خاصة من خلال ما يسمونه (الشباك الواحد)، أى انفراد إدارة المشروع بالتوجيه والإشراف نيابة عن الجهات المختلفة ذات الصلة. ولا نستطيع الحكم القاطع على مدى نجاح الإدارة العليا للمشروع فى هذا المجال، إذ يحتاج الأمر إلى بيانات ومعلومات ليست فى حوزتنا.
ثانيًا: منصة تكنولوجية متقدمة. يلاحظ من متابعة التجارب الدولية الرائدة أن المناطق الاقتصادية ربما يحسن أن تسمى المناطق التكنولوجية، إذ تعتبر حاضنة للتكنولوجيات العليا المتطورة فى مجالها. يرتبط ذلك بنوعية الأنشطة التى تتم ممارستها فى المناطق المذكورة، سواء فى المجالات التى هى بطبيعتها ذات مستوى تكنولوجى عالٍ، كالإلكترونيات الدقيقة، والتكنولوجيا الحيوية، والليزر، وتكنولوجيا النانو، أو سواء كانت فى الصناعات المصنفة عادة كصناعات تقليدية ولكنها تتم فى إطار القمم الخاصة بالتكنولوجيا العالية (هاى تك).
وفيما يتعلق بمنطقة قناة السويس، فإن هناك، فيما يبدو، مقدمات نشاط تكنولوجى من مستوى معقول، كما فى حالة الهيدروجين الأخضر وألواح الطاقة الشمسية. ولكن من الجهة الأخرى، يلاحظ أن الغالبية الساحقة من الأنشطة المقامة فى منطقة قناة السويس تتمثل فى صناعات الملابس الجاهزة والنسيجيات الموجهة للتصدير إلى الخارج. ومن الضرورى، وربما من الممكن أيضًا، أن تحدث نقلة إلى الأمام وإلى أعلى فى المستوى التكنولوجى للصناعات المتوقعة فى المنطقة، مثل الآلات ومعدات النقل، ومكونات الأجهزة، وصناعة "آلات الورش" Machine tools كالمخارط والمثاقب وما إليها، والإلكترونيات الأساسية والوسيطة - فما الذى يمنع دون ذلك..؟
• • •
ثالثًا: تخطيط القوة العاملة. حققت منطقة قناة السويس تطورًا لافتًا، فيما يبدو، فى مجال تجنيد العمالة العادية والمتوسطة؛ ولكن التطوير الصناعى والتكنولوجى المنتظر يتطلب إعدادًا نوعيًا خاصًا للقوة العاملة كيما تستطيع مواكبة آفاق التطور المنتظر.
ويرتبط بذلك جانب ثانٍ ذى أهمية خاصة، وهو ضرورة تكوين قوة عمل نشطة فى مجال محدد هو ريادة الأعمال أو المنظمون Entrepreneurs، خاصة من فئة الشباب. فبذلك يتم ضمان تكوين مستويات متدرجة عبر الزمن من القيادات الشابة لقطاع الأعمال الصناعية ذات التكنولوجيا الأعلى تطورًا، والموجهة فى جانب مهم منها إلى التصدير.
ويلاحظ هنا أن غالبية الصناعات المصرية عمومًا تُصنَّف من فئة الأنشطة ذات التكنولوجيا منخفضة المستوى والمتوسطة، دون العالية. ومن هنا يجب أن تكون منطقة قناة السويس نافذة لتكوين العصب البشرى للتكنولوجيا العالية مستقبلًا، بدءًا من توسيع قاعدة التعليم التكنولوجى المتوسط والعالى.
ونقطة ثالثة فى هذا المجال ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما سبق، وهى العمل على تكوين نخبة صناعية وطنية عبر الزمن، وخاصة بالنظر إلى التقطع والانقطاع الذى حدث فى مسيرة تكوين النخبة الصناعية المصرية. فلقد كانت هناك نويات للنخبة قبل ثورة 23 يوليو 1952، من مدرسة (طلعت حرب)، فى صناعة المنسوجات (المحلة الكبرى وكفر الدوار) وحليج الأقطان، وكذا فى صناعة السكر مثلًا.
كما كانت هناك نخبة صناعية فى ظل تجربة القطاع العام وأثناء الخطة الخمسية الأولى (1959/60 - 1964/65)، لكن تقطعت بها السبل بعد أن حققت تطورًا لافتًا فى الخمسينيات والستينيات، فى ظل سياسة "التصنيع للإحلال محل الواردات"، خاصة من السلع المعمرة، والصناعات المقامة فى أحضان القطاع الفرعى للإنتاج الحربى.
لذلك يبدو من الضرورى إعادة بناء النخبة الصناعية المصرية فى ظل ظروف عالمية مستجدة ومتغيرات لاهثة عبر الزمن.
رابعًا: التطلع إلى أن تكون منطقة قناة السويس جسرًا وطنيًا وإقليميًا وعالميًا، أو أحد الجسور بالأحرى، بحيث تنقل ثمار النهضة إلى شبه جزيرة سيناء من ناحية أولى، وإلى منطقة شرق الدلتا وما حولها من ناحية أخرى على المستوى الوطنى.
أما على المستوى الخارجى فيمكن لمنطقة قناة السويس أن تمثل جسرًا من الجسور عبر البحرين الأبيض والأحمر، وصولًا إلى إفريقيا وآسيا وأوروبا؛ ومن ثم إلى الأمريكتين شمالًا وجنوبًا. ويمثل ذلك دعمًا للشراكات على المستوى العربى ثم الإفريقى و«العالم ثالثى»، وتوسعة للطاقة الإنتاجية للاقتصاد الوطنى، فى توجه ذى شعبتين: توجه نحو الداخل لإشباع الحاجات الأساسية، وتوجه نحو الخارج من أجل التصدير وبناء شبكات نقل التكنولوجيا أفقيًا وآسيويًا.
.. وأخيرًا، هل حمّلنا منطقة قناة السويس أكثر مما تحتمل أملًا وعملًا؟ ربما. لكن رسم ملامح الأمل أول الطريق إلى العمل الفعال لبناء مستقبل أفضل لشعب يستحقه بالفعل.
أستاذ باحث فى اقتصاديات التنمية والعلاقات الدولية