لبنان ممرًّا ومقرًّا.. وبوتقةً وشُعلة! - محمد عبدالشفيع عيسى - بوابة الشروق
الجمعة 2 يناير 2026 9:30 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من ترشح لخلافة أحمد عبدالرؤوف في تدريب الزمالك؟

لبنان ممرًّا ومقرًّا.. وبوتقةً وشُعلة!

نشر فى : الجمعة 2 يناير 2026 - 6:25 م | آخر تحديث : الجمعة 2 يناير 2026 - 6:25 م

يعيش لبنان فى الذاكرة الحيّة عندى لسنوات طوال منذ مطلع السبعينيات - وكذلك سوريا - حتى قُدِّر لى أن أعيش فيه زهاء سنتين (2009-2010)، فيظل يانعًا كأنه نبتٌ مُزهر فى حنايا الفؤاد على الدوام. هو، وسوريا، لدىَّ، ماضٍ ومضارع ومستقبل. وليتنى أستطيع، خاصة، استعادة سيرة لبنان الحديث كله، خاصة فى القرنين الأخيرين، ودع عنك حضارة العصر القديم الفينيقى والقرطاجنى؛ وإذن لمرّت أمام أعيننا شرائط بغير حصر، حيث مختلف الألوان - من الأحمر القانى إلى الأبيض الشفّاف - ومن مختلف الطعوم أيضًا، بحلوها ومرّها، وما هو بين بين. ومن كل ذلك، تتكوّن صورة كاشفة للمنطقة المركزية العربية-الإسلامية، أو ما يسمّونه «الشرق الأوسط»، من أنظمة الحكم، وأوضاع «الاقتصاد السياسى»، والسياسات المحلية ذات الشِّعب المتنوّعة دينًا وعُرفًا وطبقات اجتماعية، وغير ذلك.
وحين نقول لبنان، فإننا نعنى ما هو أوسع من ذلك وأكبر؛ إذ هو نافذة الشرق (سويسرا الشرق، إن شئت) والمشرق العربى، هو قلب «الشام» بمعناه الواسع، وهو فى الحق «سوريا - لبنان»، ومن حوله فلسطين التاريخية، وشمالها العراق، وشرقها شبه الجزيرة العربية، وغربها البحر المتوسط وإقليمه العريض، وقلبه النابض على خط «دمشق - بيروت». وممّا يُسمّى الآن (لبنان) انطلقت فى القرن التاسع عشر شرارة الخِصب والنماء الزراعى، والتجارة بالذات، على خطوط التعامل الاقتصادى داخليًّا وخارجيًّا معًا.
ومن لبنان الحالى، لم تنطلق التجارة فقط، ولكن الثقافة والسياسة بالذات، من أدب وشعر، ثم من سياسة ممثَّلة فى بذر بذرة الشعور بالقومية العربية، وخاصة فى مواجهة حملة «التتريك» منذ أواسط فأواخر القرن التاسع عشر. هذا، وقد تحمّلت (سوريا الحالية) عبء مواجهة النفوذ البريطانى -الفرنسى، أوائل القرن العشرين، مع «فيصل الأول» قبل انتقاله إلى العراق. ومن سوريا الحالية، انطلقت شرارة المقاومة للاستعمار الفرنسى، مع نهايات الحرب العالمية الأولى وبُعيدها، خاصة من جبل العرب (جبل الدروز)؛ وما ذكرى معركة «ميسلون» ببعيدة عن أذهان التاريخ القريب.
مع استقلال لبنان وسوريا عن فرنسا - منذ 1943 - تبلورت الحركة الوطنية ذات الوجه العروبى، ونشأت نُويات الأحزاب السياسية بمعناها المعاصر، وقامت الحكومات وحتى الانقلابات، خاصة فى مطالع الخمسينيات من القرن العشرين، وبالأخص فى سوريا الحالية.
ومع كرٍّ وفرّ الأيام، بدءًا من استقلال لبنان، مرورًا بنكبة فلسطين عام 1948، تبلورت للبنان عدة أوجه، أبرزها وجهان: فهو من ناحية أولى مصدرٌ للخشية من أن يكون بعد استقلاله ممرًّا للمؤامرات، ومقرًّا لما هو أبعد من ذلك. وهو من ناحية ثانية بوتقة عربية - مشرقية للصراعات على جميع الأسس؛ بيد أنه أيضًا شُعلة ومنارة للبعث الحضارى - الثقافى - السياسى، من خلال بؤر الحركة السياسية، والمطابع ودور النشر، والمراكز التعليمية والثقافية المضيئة، ولو من خلال بدايات «الجامعة الأمريكية» فى بيروت منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ثم «جامعة بيروت العربية» - كفرع لجامعة الإسكندرية - فى ستينيات القرن المنصرم، مع إشعاع الناصرية انطلاقًا من الوجود المصرى العربى عمومًا، وفى بيروت ودمشق خصوصًا.
مع انطلاقة «الحزبية» العربية، ممثَّلة فى «البعث العربى الاشتراكى» و«حركة القوميين العرب» فى الخمسينيات والستينيات، ودع عنك «الحزب القومى السورى»، برزت بيروت مركزًا للسياسة العربية المشرقية، ليس فقط من وجهها المضىء فرحًا وانتصارات، لكن أيضًا بوجهها الآخر، مقرًّا لأعمال المخابرات الغربية - الأمريكية، وممرًّا للمؤامرات ضد حركة القومية العربية الناهضة بوجهها المضىء، فى الخمسينيات والستينيات ومطلع السبعينيات.
ولكن «لا بدّ مما ليس منه بُدّ»؛ فقد كان للنفوذ الغربى - الأمريكى، وذراعه الإسرائيلية، دوره المتعاظم فى محاولة إفساد الحياة السياسية الداخلية اللبنانية، ومحاولة إحكام الربط مع الفتك الغربى - الأمريكى، استعانة ببعض الحكّام (كميل شمعون مثالًا) فى مواجهة حركة القومية العربية الناهضة ناصريًّا، خاصة بعد قيام «الجمهورية العربية المتحدة» بالوحدة المصرية السورية (1958-1961).
وجاء العسكرى الوطنى (اللواء) فؤاد شهاب رئيسًا للجمهورية اللبنانية ليخلف نقيضه كميل شمعون، وتبدأ رحلة متعرّجة للدور العربى للبنان، فى عين العاصفة الأمريكية الإسرائيلية بالذات.
فى عام 1974 انفجرت عين العاصفة، ممثَّلة فى شرارة (حرب أهلية) بدأت مع حادثة احتكاك البعض من (عين الرمانة) فى بيروت الشرقية - مسيحية الطابع على كل حال - مع (الباص) المقلّ لأطفال مدارس فلسطينيين؛ وتستمر الحرب الطاحنة، سوريًّا ولبنانيًّا، خمسة عشر عامًا، حتى «اتفاق الطائف» عام 1989، وإن استمر أوار الحرب طاحنة لسنوات من بعد.
دخلت «إسرائيل - عزريل» «على الخط»، بعدوانها على لبنان 1978، وبالغزو فدخول العاصمة بيروت عام 1982، ثم احتلال جنوب لبنان لمدة خمس عشرة سنة حتى التحرير (1985-2000). وجاءت عملية الدخول والغزو الإسرائيلى للبنان، وجنوبه بالتحديد، فى يوليو - أغسطس من عام 2006 فى مواجهة المقاومة اللبنانية العنيدة حتى تمام الانسحاب الإسرائيلى.
وهكذا إذن ظلّت إسرائيل - «عزريل» - لاعبًا رئيسيًّا على الساحة اللبنانية (والسورية)، خاصة من بعد عدوان ونكسة (حزيران - يونيو 67)، وكان ما كان من مقاومة عنيدة ذات جوهر وطنى عميق.
ودارت الحرب الظاهرة والمخفية سجالًا بين «عزريل» وقوات المقاومة الوطنية اللبنانية بقيادة «حزب الله» حتى «طوفان الأقصى» فى السابع من أكتوبر 2023، وكان مما كان مما نعلمه أو لا نعلمه. ثم كان التغيّر السياسى فى سوريا فى 2024، واستعادت «عزريل» قوتها مع مجىء إدارة دونالد ترامب الأمريكية بالذات، وتم قلب «المائدة» مع اغتيال قيادة حزب الله، ومحاولة إسرائيل استعادة احتلال «الجنوب»، ثم إذا بنا أمام تغلغل إسرائيلى حثيث على خط المواجهة السورية - الإسرائيلية فى «الجولان»، وعلى مقربة قريبة من العاصمة دمشق.
وها هى إسرائيل تسرح وتمرح، لاعبة «رقصة الموت» فى مواجهة لبنان، جنوبه وشماله؛ لكن بيروت تبقى، برغم كل شىء، مصدرًا للخشية من عدوى (الممرّ والمقرّ)، مع كونها فى جميع الأحوال بوتقة مختزلة للصراعات، لكنها شُعلة للانبعاث العربى الممتد فى وجه جميع الأحوال.
ولسوف تبقى بيروت هكذا عصيّة على الانهزام، ويبقى لبنان بالذات شُعلة ومنارة، وليس مجرد ما يرغب فيه الأعداء كممرٍّ ومقرٍّ عدوانىِّ مريب.
وهى الحرب سجال، بيد أن الدائرة تدور على من ظلم، ولو من بعد وقت قد يرونه بعيدًا، ولكنه قريب على كل حال.

أستاذ باحث فى اقتصادات التنمية والعلاقات الدولية

محمد عبدالشفيع عيسى أستاذ باحث في اقتصاديات التنمية والعلاقات الدولية
التعليقات