من الغرائب والعجائب أن هناك بعض التصريحات السياسية والكتابات الصحفية شرقا وغربا، تقول إن احد أهداف الحشد العسكرى الأمريكى ضد إيران هو تحويلها من دولة استبدادية إلى دولة ديمقراطية!!
بعض السذج والمخدوعين والبسطاء كانوا يصدقون هذه الأسطوانة فى العقود الماضية، حينما كانت الولايات المتحدة وغيرها من الدول الاستعمارية تدعى أن تدخلها فى العديد من الدول خاصة العربية والإسلامية هدفه تحقيق الديمقراطية وحماية الشعوب من بطش الأنظمة التى تحكمها.
نتذكر أن مصر اكتوت بهذه الأسطوانة كثيرا. فأحد ادعاءات بريطانيا حينما احتلتها عام 1882 كان هو العمل على تحضر مصر وحماية الأقليات، وظلت تردد هذه الكذبة طوال 70 عاما هى مدة الاحتلال.
وحينما ضغطت إدارة جورج بوش الابن على مصر فى بداية الألفية كان الشعار المرفوع هو تحقيق الديمقراطية. ونتذكر أنها كررت الأمر نفسه فى عهد باراك أوباما، وكثيرون صدقوا هذه الإدارة بأنها فعلا تريد تحقيق الديمقراطية، ونتذكر أيضا ضغط أوباما وإدارته فى عام ٢٠١١ لإسقاط حكم حسنى مبارك والإتيان بجماعة الإخوان وكان الشعار هو نفسه، أى تطبيق الديمقراطية.
لكن التجربة الأهم التى لا يمكن لأحد أن ينساها لأنها ماتزال حاضرة كانت غزو أمريكا وبريطانيا للعراق فى مارس ٢٠٠٣ وإسقاط حكم صدام حسين، وكان الهدف الأساسى الذى رفعته إدارة بوش الابن هو تحقيق الديمقراطية فى العراق وتدمير برنامجه النووى.
وقد ثبت يقينا أن العراق لم يكن يملك أسلحة نووية، وأنه دخل فى فوضى لم يفق منها بصورة كاملة حتى الآن، وبدلا من تحقيق الديمقراطية ظهرت كل التنظيمات المتطرفة خصوصا داعش وتم حل الجيش ودخلت البلاد فى نفق الطائفية والجهوية، والميليشيات، وتقديم العراق على طبق من ذهب إلى إيران صاحبة الكلمة العليا فى المشهد السياسى.
نفس الأسطوانة قالتها واشنطن حينما غزت أفغانستان فى أكتوبر ٢٠٠١ بعد تفجيرات برجى التجارة فى ١١ سبتمبر ٢٠٠١.
ولا نحتاج إلى أدلة على ما وصلت إليه أفغانستان الآن حيث عادت لتقع تحت حكم طالبان، وهربت القوات الأمريكية بصورة مهينة من هناك فى أواخر عهد جو بايدن.
ومن يراجع غالبية التاريخ الأمريكى الحديث سوف يجد هذه الأسطوانة المشروخة عن نقل وتحقيق وزراعة الديمقراطية على الطريقة الأمريكية خصوصا فى بلدان أمريكا اللاتينية التى كانت معارضة للولايات المتحدة، أما الديكتاتوريات فى هذه المنطقة المؤيدة لواشنطن، فلم يكن أحد فى أمريكا يذكرها بسوء!!!.
لكن وللموضوعية فإن غالبية الإدارات الأمريكية فى السابق كانت على الأقل تتمسح فى الديمقراطية حتى لو كان الأمر يتم بصورة شكلية.
الآن فإن الرئيس دونالد ترامب لم يضبط متمسكا بالديمقراطية أو القيم الليبرالية، بل إنه حسد أكثر من زعيم أجنبى لأنه يستمر فى الحكم بمدد رئاسية مفتوحة.
ومثال ذلك أنه قال بوضوح إنه يحسد الرئيس الصينى شى جين بينج حينما تم فتح المدد الرئاسية له وعدم اقتصارها على مدتين فقط.
ورأينا ترامب يتحدث كثيرا عن رغبته فى الترشح لفترة ثالثة رغم أن الدستور الأمريكى يمنع ذلك تماما.
ترامب ادعى قبل أسابيع أنه يضغط على النظام الإيرانى حتى يتوقف عن قتل المتظاهرين الإيرانيين المحتجين على السياسات الاقتصادية للنظام.
هذا كان الشعار المرفوع، ثم توقفت الاحتجاجات تماما.
وبعدها أسفرت إدارة ترامب عن أهدافها الحقيقية من الحرب وهى نفس الأهداف الإسرائيلية وأهمها تدمير البرنامج النووى ووقف التخصيب تماما ووقف البرنامج الصاروخى بحيث لا يصل إلى إسرائيل، ووقف دعم أى قوى أو تنظيمات فى المنطقة العربية، ثم أضاف إليها ترامب هدفا رابعا هو: حماية الشعب الإيرانى!!
والغريب أن البعض مايزال يصدق ذلك!
لا أمريكا ولا إسرائيل يشغلهما الشعب الإيرانى فى أى شىء ولو كان الأمر بيدهم لدمروا إيران بشعبها أو جعلوها تعيش فى فوضى، أو تحويلها إلى دولة موالية للغرب.
لا يعنى كلامى السابق أن النظام الإيرانى ديمقراطى بل هو شديد الأوتوقراطية، وله أخطاء قاتلة.
لكن النقطة الجوهرية هى ضرورة كشف النفاق الأمريكى الإسرائيلى بشأن الديمقراطية.