عن أسطورة التوازن الاستراتيجى الإيرانى - أحمد عبد ربه - بوابة الشروق
الأحد 8 مارس 2026 7:51 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

عن أسطورة التوازن الاستراتيجى الإيرانى

نشر فى : السبت 7 مارس 2026 - 5:05 م | آخر تحديث : السبت 7 مارس 2026 - 5:05 م

هناك أطروحة سياسية جرى ترويجها لسنوات طويلة فى أروقة السياسة والإعلام العربى والمصرى، وخصوصا بعد حرب غزة، تقول إن إيران تمثل توازنا استراتيجيا فى مواجهة إسرائيل. هذه المقولة، التى تحولت إلى ما يشبه المسلَّمة فى بعض الخطابات السياسية الإقليمية، تتطلب قراءة تحليلية هادئة ومراجعة نقدية فى ضوء مفاهيم العلاقات الدولية. فى أدبيات العلوم السياسية، التوازن الاستراتيجى ليس شعارا عاطفيا ولا موقفا أيديولوجيا، بل هو معادلة قوة دقيقة وواضحة، تقوم على تقارب حقيقى فى القدرات الشاملة، بحيث يمتلك كل طرف القدرة الفعلية على ردع الآخر ومنعه من فرض إرادته بالقوة. عند تطبيق هذا المعيار الأكاديمى والعملى، نجد أن هذا التوازن الرادع لم يتحقق بين طهران وتل أبيب فى أى مرحلة من المراحل منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام ١٩٧٩ وحتى اللحظة.


على الصعيد العملى، حافظت إسرائيل على موقعها كقوة عسكرية تمتلك تفوقا نوعيا ملحوظا فى الإقليم، لا سيما فى مجالات سلاح الجو، والتكنولوجيا الدقيقة، والقدرات الاستخباراتية، فضلا عن شبكة الدعم الدولى التى حظيت بها دائما من أوروبا والولايات المتحدة. فى المقابل، اتسمت التفاعلات بين الطرفين بعلاقة غير متكافئة. على سبيل المثال، خلال العقد الأخير، قامت الدولة العبرية بتنفيذ مئات الضربات الجوية داخل الأراضى السورية استهدفت بنى تحتية ومواقع تابعة للحرس الثورى الإيرانى وحزب الله. هذه العمليات العسكرية استمرت لسنوات طويلة دون أن تُقابل بتأسيس معادلة ردع حاسمة توقفها. وتوازى ذلك مع عمليات استهداف أمنى دقيقة داخل العمق الإيرانى نفسه، وهجمات سيبرانية معقدة طالت منشآت حيوية فى طهران. من منظور التحليل الاستراتيجى، فإن استمرار طرف فى توجيه ضربات ممنهجة للطرف الآخر دون أن يواجه بردع يوقف هذه الهجمات لا يمكن تضمينه فى خانة «التوازن»!


فى الواقع، تجنبت طهران الدخول فى مواجهة عسكرية نظامية ومباشرة مع إسرائيل، مفضلة تبنى استراتيجية إدارة الصراع عبر ساحات عربية مفتوحة، وتحديدا فى لبنان وسوريا وغزة واليمن، وأحيانا العراق. إلا أن المقاربة التحليلية تشير إلى أن نقل خطوط الاشتباك إلى أراضٍ عربية لا يسهم فى خلق توازن إقليمى مستدام، بل يؤدى بالضرورة إلى استنزاف مؤسسى واجتماعى لهذه الدول. حين تتحول دولة عربية إلى مجرد ساحة لتبادل الرسائل الأمنية والعسكرية بين طهران وتل أبيب، فإنها لا تصبح أقوى، بل تفقد سيادتها وتصبح أكثر هشاشة وانقساما.


• •
لعل الحالة السورية تقدم النموذج الأكثر وضوحا وقسوة لهذا التفكك والانقسام. منذ عام ٢٠١١ وحتى اليوم، تشير تقديرات المنظمات الدولية الموثوقة إلى حقائق ديموجرافية واقتصادية صادمة. فقد تجاوز عدد الضحايا ٥٠٠ ألف شخص، بينهم أكثر من ٢٣٠ ألف مدنى وفقا لتوثيقات الشبكة السورية لحقوق الإنسان. وعلى صعيد موجات اللجوء، تخطى عدد اللاجئين خارج البلاد حاجز الستة ملايين لاجئ، بينما يقارب عدد النازحين داخليا ستة ملايين آخرين. نحن هنا لسنا أمام مجرد أرقام إحصائية، بل أمام تشخيص لانهيار كامل فى بنية دولة ومجتمع تمزق بالكامل.


لقد بدأ التدخل الإيرانى المباشر فى سوريا مبكرا، وتصاعد بشكل ملحوظ مع الدخول العلنى لحزب الله فى المعارك عام ٢٠١٣. فى معركة القصير وحدها سقط مئات الضحايا ونزح آلاف السكان المحليين. توالت بعدها مشاهد الحصار القاسى فى مناطق مثل الزبدانى ومضايا، حيث وثقت تقارير دولية حالات تجويع للمدنيين ونقصا حادا فى الأدوية. وفى حلب عام ٢٠١٦ أفضت المعارك إلى تهجير عشرات الآلاف من سكان أحياء كاملة، وسط تقارير حقوقية تشير إلى إعدامات ميدانية واعتقالات واسعة. هذه التحركات لم تكن مواجهة مع إسرائيل، بل انخراطا مباشرا فى حرب أهلية عمقت الطابع الطائفى للصراع.


وتكتمل الصورة بالنظر إلى الكلفة الاقتصادية. فبحسب تقديرات الأمم المتحدة، تجاوزت الخسائر الاقتصادية السورية ٤٠٠ مليار دولار. البنية التحتية الأساسية تعرضت لدمار هائل، حيث انهارت شبكات الكهرباء والمياه فى مناطق واسعة، وخرجت آلاف المدارس والمستشفيات عن الخدمة، لينشأ جيل كامل فى ظل حرب مفتوحة. أمام هذه المعطيات، يبرز تساؤل مشروع: إذا كان الهدف هو خلق توازن إقليمى، فكيف يمكن تفسير تحويل دولة مركزية فى المشرق إلى ساحة مدمرة تعتمد على دعم خارجى للبقاء؟ ولصالح من؟
النموذج العراقى يقدم زاوية أخرى لفهم هذه الظاهرة. فبعد عام ٢٠٠٣، صعدت فصائل مسلحة مرتبطة بطهران لتصبح جزءا نافذا من المشهد الأمنى والسياسى. فقد وثقت تقارير متعددة عمليات قتل خارج إطار القانون وانتهاكات ذات طابع طائفى فى سياق الصراع الداخلى. النتيجة كانت أن الدولة العراقية لم تخرج من هذه التفاعلات أقوى، بل استمرت فى معاناتها من ازدواجية السلاح وتعدد مراكز القرار. هذه السياسة، منطقيا، لم تؤدِّ إلى بناء قوة عربية قادرة على موازنة إسرائيل، بل إلى إضعاف الدولة الوطنية من الداخل.
وفى اليمن، تحول دعم الحوثيين إلى عنصر رئيسى فى حرب ممتدة منذ عام ٢٠١٥. وقد وصفت الأمم المتحدة الأزمة اليمنية بأنها من أسوأ الأزمات الإنسانية فى العالم، حيث بات أكثر من عشرين مليون إنسان بحاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية عاجلة. البنية الصحية والتعليمية شبه منهارة فى مناطق واسعة، والاقتصاد تراجع بشكل حاد. مجددا، نجد بلدا عربيا يدفع الثمن فى إطار صراع إقليمى لا يملك قراره بالكامل.


أما فى لبنان، فإن امتلاك حزب الله لقرار السلم والحرب خارج إطار مؤسسات الدولة أدخل البلاد فى دائرة من التهديد الدائم. الانعكاسات امتدت لتضرب أسس الاقتصاد اللبنانى الذى فقدت عملته الوطنية أكثر من تسعين فى المائة من قيمتها خلال سنوات قليلة. القطاع المصرفى انهار، وارتفعت معدلات الفقر بشكل غير مسبوق. لبنان لم يتحول إلى قوة ردع مستقرة فى مواجهة إسرائيل، بل إلى دولة منهكة داخليا تعانى من شلل سياسى واقتصادى وأمنى!


 • •
قد يقول البعض إن استنزاف هذه الدول لم يكن مسئولية إيران وحدها، وهذا قطعا صحيح، لكن علينا أن نتذكر أننا هنا لا نقوم بإحصاء حقوقى للمتسببين فى انهيار هذه الدول لأنهم كثر بالفعل، بل نجيب عن سؤال واضح: هل سياسة النظام الإسلامى الإيرانى أدت إلى خلق توازن استراتيجى أم إلى تأسيس وتعميق عدم التوازن هذا؟


غالبا ما يجادل أنصار فكرة التوازن بأن مجرد وجود محور مسلح يربك إسرائيل ويمنعها من الانفراد بالمنطقة كافٍ. لكن الوقائع تقول إن إسرائيل واصلت توسيع هامش حركتها؛ فنفذت ضرباتها حين أرادت، وطورت علاقات إقليمية جديدة مثل الاتفاقات الإبراهيمية، التى كان أحد أسبابها الرئيسية خوف دول الخليج من التهديد الإيرانى المستمر، كما عززت إسرائيل تعاونها الأمنى مع هذه الدول.


إذن، لا يمكن لطرف أن يساهم فى تفجير المنطقة العربية واحدة تلو الأخرى لقرابة نصف قرن من الزمان ثم يطلب منا تصديق أنه معادل استراتيجى لإسرائيل! هذه دعاية واهية، وللأسف انطلت على الكثيرين فى عالمنا العربى. التوازن الحقيقى لا يُبنى عبر ميليشيات عابرة للحدود، ولا عبر تعبئة مذهبية عمقت الانقسام، ولا عبر تحويل عواصم عربية إلى ساحات نفوذ متنازعة، ولا عبر ارتكاب مجازر وحشية بحق المدنيين ــ وهى جرائم لا تسقط بالتقادم لمن ينسى! التوازن يتطلب تقوية الدول العربية نفسها: بناء جيوش وطنية محترفة، ومؤسسات مستقرة، واقتصادا منتجا، ومجتمعا متماسكا لا منقسما.


إن هذا الطرح لا يعنى بأى حال دعمى لحرب جديدة لإسقاط نظام الملالى ولا تبرير أى تدخل خارجى خارج قواعد القانون الدولى. كذلك فهو ليس دعوة ولا دعاية مضادة لصالح إسرائيل أو أمريكا فى هجومهما العسكرى الوحشى هذا، لأن ما يحدث اليوم فى الحرب ضد إيران يمثل خطرا كبيرا وقد يقود إلى كارثة أوسع يبدو أنها قد أصبحت مسألة وقت. لكن الموقف المبدئى الرافض للحرب لا يفرض علينا تبنى سردية خاطئة عن الماضى. يمكن أن نرفض العدوان، وفى الوقت نفسه نرفض تزييف المفاهيم! الحرب للأسف بدأت، ولا يملك أحد منا إيقافها عبر شعارات أو مقالات أو تحليلات، لكن المهم دائما أن يبقى الوعى حاضرا بخطورة اعتبار نظام دينى طائفى مسارا لتحقيق التوازن الاستراتيجى المزعوم!


فى قاموس بناء الدول، لا يمكن تسمية التفكك توازنا. لا يمكن تسمية السياسة الطائفية ردعا، ولا يمكن اعتبار ميليشيات مسلحة بديلا عن دول مستقرة وقوية. إذا أردنا توازنا حقيقيا فى المنطقة، فلا يكون ذلك عبر شعارات عاطفية، بل عبر مشروع عربى واضح يقوم على بناء الدولة الوطنية، وتقوية الداخل، واستعادة القرار السيادى. غير ذلك ليس سوى شعارات سياسية جذابة، لكنها لا تصمد أمام الواقع.


أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر

أحمد عبد ربه أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر