المثقف والسلطة فى الأزمنة الصعبة.. نواف سلام نموذجًا (1 - 2) - إبراهيم العريس - بوابة الشروق
الأحد 5 أبريل 2026 11:52 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

المثقف والسلطة فى الأزمنة الصعبة.. نواف سلام نموذجًا (1 - 2)

نشر فى : الخميس 26 مارس 2026 - 8:10 م | آخر تحديث : الجمعة 27 مارس 2026 - 11:21 ص

في أوائل العام 1980 حين اتصل بي رضوان السيد وكان في مستهل مساره العظيم ليصبح واحدًا من أكثر علماء الإسلام والتاريخ الإسلامى تنويرية ونفوذًا فكريًا، بينما كان بالنسبة إلىّ صديقًا مقربًا صنع نفسه بنفسه إنسانيًا وفكريًا وحتى فى المجتمع ــ وصولًا إلى أن يصبح لقبه «الرسمى» مولانا ــ حين اتصل بى قائلا إن الرئيس صائب سلام يود منى أن أزوره لرغبته فى أن أصدر لجمعية المقاصد التربوية الكبرى والواسعة النفوذ فى المجتمع المسلم السنى اللبنانى مجلة تستأنف ما بدأته فى مجلة «المسيرة» التى يتابعها بإعجاب، شعرت بمزيج من القلق والتحدى.
فبالنسبة إلىّ وإلى أبناء جيلى فى لبنان، وفى بيروت خاصة، كان صائب سلام متحالفًا مع السعوديين بعدما بدأ الفصل الأول من حياته السياسية، وسط إعجابنا به بوصفه «رجل جمال عبد الناصر فى لبنان» إلى حد أنه كان القائد الفعلى لثورة 1958 التى اندلعت فى لبنان ضد حلف بغداد وتأييدًا لزعيم الثورة المصرية. وكان هذا الأمر يروق لنا على عكس ما سيصبح عليه لاحقًا حين ابتعد الزعيم البيروتى عن مصر الناصرية ليصبح حليفًا للسعوديين. وبالتالى، كان يُنظر إليه من قبلنا باعتباره «رجعيًا» محافظًا تخلى عن مبادئه التحررية. وكنت أشعر بالرعب بالتالى من أن أؤسس مجلة ربما سأطالب فيها بتبنى الفكر الذى يتبناه صائب سلام.
هذا بالنسبة إلى القلق الذى اعترانى منذ أن فاتحنى رضوان السيد بالأمر، أما بالنسبة إلى التحدى، فإن رضوان السيد فى حديثه معى بعثه لدىّ، إذ قال لى بعدما لاحظ ترددى: «لا تتردد. سوف يفاجئك هذا الرجل وترتاح للعمل معه حتى بأفكارك البائسة، بأكثر مما ارتحت فى التعامل مع أى صاحب عمل سابق من قبل!» والحقيقة أن هذا سوف يتبدى صحيحًا، لكنى سأترك حديثه لمناسبة أخرى. أما هنا، فسوف أتناول ما جرى خلال الأيام التالية، ما سيوصلنى إلى موضوع العنوان الذى اخترته لهذا الحيز هذا الأسبوع.
فى اليوم التالى، إذا، اجتمعت بالرئيس صائب سلام الذى حدثنى عن رغبته فى أن أؤسس للمقاصد مجلة ثقافية تنويرية حضارية، منبّهًا إلىّ لعدد من المحظورات، مؤكدًا أنه ستكون لى حرية التصرف فى الشكل والمضمون، شرط ألا أستغل المجلة للدعوة إلى أية «أفكار هدامة»، مستطردًا وهو يبتسم: «لا تنس أن «الرجعيات» العربية التى ألاحظ دائمًا أنها لا تنجو من قلمك السيال والمشاكس، هى التى تمول وتدعم العمل التربوى والإنسانى فى أوساط السنة وغير السنة فى بيروت ولبنان عمومًا». وأنهى حديثه قائلا: «إن رضوان السيد قد ضمنك لدينا و«الله ينجينا منك ومن رضوان السيد!»، ختم حديثه ضاحكًا.
فى الحقيقة، خرجت يومها من مكتب الرئيس سلام مستبشرًا مرتاحًا وواثقًا من أننى سوف أنتج للمقاصديين مجلة حضارية يفتخرون بها. غير أن الصعوبات لن تلبث أن تظهر منذ اليوم التالى.
ففى صباح ذلك اليوم جاءنى اتصال هاتفى من مكتب الرئيس سلام يطلب منى الحضور فورًا لأمر «ضرورى». توجهت إلى المكتب من فورى لأجد الزعيم اللبنانى الكبير ينتظرنى، وهو ينظر إلىّ نظرة غريبة بعض الشىء. وعندما أدخلت إلى مكتبه، أغلق الباب، والتفت نحوى بنظرة ثاقبة قائلا لى دون لفّ أو دوران: «اسمع يا صديقى، منذ تركتنى أمس وحتى صباح اليوم، وصلتنى عدة تقارير تؤكد لى أنك عضو مسئول فى الحزب الشيوعى اللبنانى، فهل أنت كذلك؟».
أنكرت ذلك بالطبع، أنا الذى كنت قد تركت الحزب عمليًا وفكريًا بعد ثلاث سنوات فقط من انتسابى إليه. فنظر إلىّ مليًا ثم قال وهو يعبث بأوراق أمامه: «قل لى بصراحة ولن أراجعك بعد ذلك فى هذا الأمر أبدًا، هل أنت شيوعى حزبى أم ماركسى بالفكر فقط؟».
قلت له دون مواربة إننى ربما أكون ماركسيًا يساريًا، وهذا واضح من كتاباتى، أما بالنسبة إلى العمل الحزبى فلست أخوضه ولا أؤمن به. فنظر إلى بارتياح وقال: «هذا ما كنت آمله. إذا ما لنا وللتقارير. اتكل على الله وأسس لنا مجلة حلوة!» وفيما كنت أغادر مكتبه، راح يدمدم: «أنت أسوأ من ابن أخى نواف». ولاحظت فى عينيه، وهو يقول هذا، نظرة تتأرجح بين الاستمتاع بما يقول والفخر بما يعلن.
فهل أقول إن تلك النظرة الحنونة، والتى عبرت عن حبه وحنوه على نواف سلام الذى كان حينها فى مقتبل العمر، ستكون هى العنصر الحاسم فى العلاقة التى ربطتنى بالرئيس صائب سلام حتى رحيله، كما بنجله تمام سلام، الذى سيتبين لى مرات ومرات أنه لم يكن أقل حنوا على نواف سلام وفخرًا به مما كان والده الراحل الكبير.
أما بالنسبة إلىّ، فلأعترف هنا أن نظرة السلاميين، أبًا وابنًا، لنواف وسيرته السياسية والفكرية، ستكون بوصلتى فى التعامل معهما. ولئن كنت سأعود إلى هذا الأمر فى كتابات لاحقة هنا، فلا بد من العودة الآن إلى ذلك الشاب الذى كان نواف ابن العائلة السلامية المشاكس عليها، والذى كنا نحن، معشر اليساريين البسطاء اجتماعيًا، ننظر إليه بإعجاب بوصفه واحدًا من «أبناء العائلات» المرفهة الذين انتموا إلى «فكرنا» الثورى انطلاقًا من حركات الشبيبة العالمية المتمركزة فى ربيع باريس 1968 وسيبقون دائمًا أكثر وفاء للقيم اليسارية فى فرنسا، كما فى لبنان وفى أى مكان فى العالم، حتى من غلاة المناضلين الشيوعيين الحزبيين الذين ارتدوا إلى طوائفهم حيث ثمة طوائف، وإلى الممارسات القومية والأصولية الدينية فى أماكن كثيرة من العالم، وبخاصة فى البلدان العربية ومن ذلك لبنان. بل خاصة فى لبنان.
ولئن كان هذا حديثًا لابد من العودة إليه يومًا، سنعود هنا مرة أخرى إلى حديث نواف سلام. ولعل خير لحظة أستعيد فيها هذا الحديث هى تلك التى ستحل بعد أكثر من ثلث قرن على انتهاء ذلك الفصل من حياتى، أى حين راحت مكانة نواف سلام تكبر إذ أصبح رئيسًا لمحكمة العدل الدولية، اشتهر بالحكم العظيم ضد نتنياهو كمجرم حرب، وبمواقفه العادلة من العديد من القضايا اللبنانية والفلسطينية والعربية من خلال تلك المحكمة، كما من خلال كونه قبل ذلك سفيرًا للبنان فى الأمم المتحدة وفى مجلس الأمن. وكنت أتابع مسيرته دائمًا بإعجاب وتقدير، لكن السنوات كانت قد فرقتنا وأبعدتنى عن تلمس مواقفه الفكرية، وعلى الأقل إلى أن كان ثمة لقاء غداء فى باريس قبل أكثر من سنتين جمعنا فيه عملنا المشترك.
يومها، ما إن التقينا حتى بادرنى قائلاً: «لقد عجزنا يا صديقى!» أجبته بأن نعم، ثلاثة عقود ونصف تفصلنا عن آخر مرة التقينا فيها. وأخبرته أننى أتابعه ومعجب جدًا بمسيرته. فأخبرنى بدوره أنه يتابع كتاباتى. ثم أوقف المجاملات المتبادلة ليسألنى فجأة عما إذا كنت لا أزال مؤمنًا بالقيم اليسارية التى كانت تجمعنا من قبل؟ وراح الحديث بيننا يدور من حول تحول اليسار الحقيقى إلى قيم أخلاقية وإنسانية لا تزال جديرة بأن تطبق، تاركة فى مزبلة التاريخ كل تلك الانحرافات التى أصابت كثيرًا من يساريى العالم، وكيف أن كورونا وما نتج عنها، وكنا بالكاد قد خرجنا منها، كفيلة اليوم بأن تعيد للفكر الإنسانى بهاءه وأهميته… لقد أدهشنى فى ذلك الحديث كم أن فكر نواف سلام يبدو متطابقًا مع ما أفكر فيه رغم افتراقنا سنوات طويلة.
لكن ما أدهشنى أكثر حينها كان ما أسر به إلىّ الصديق القديم من أن ثمة اتصالات به تدعوه لتشكيل حكومة فى لبنان. هنا صرخت معترضًا: «أنت؟؟!… إياك، إنها هدية مسمومة… إن الحكم فى لبنان وكر دبابير لم يخلق لك ولا يمكنك ممارسته!».
يومها لم يتم الاتفاق مع نواف سلام، فسرنى ذلك. لكن ما سرنى فى المرة الأولى، سيغيظنى فى المرة الثانية… و«المرة الثانية» هذه ستكون محور حديثى فى المقال المقبل على أى حال.

إبراهيم العريس إبراهيم العريس
التعليقات