«بل هى حربكم!».. كيف ترد إسرائيل على منتقديها داخل أمريكا؟ - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
السبت 28 مارس 2026 6:17 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

«بل هى حربكم!».. كيف ترد إسرائيل على منتقديها داخل أمريكا؟

نشر فى : الخميس 26 مارس 2026 - 8:05 م | آخر تحديث : الخميس 26 مارس 2026 - 8:05 م

أحيت استقالة مدير المركز الوطنى لمكافحة الإرهاب، جو كنت، من منصبه احتجاجًا على الحرب الجارية ضد إيران، الجدل داخل العاصمة الأمريكية بشأن مبررات الانخراط العسكرى ودور إسرائيل فى توجيه القرار الأمريكى. وقال كنت، فى نص استقالته: «لا يمكننى تأييد حرب إيران التى لم تشكل تهديدًا وشيكًا»، مضيفًا: «واضح أننا بدأنا الحرب تحت ضغط إسرائيلى واللوبى النافذ لها». وفى نص استقالته التى نشرها عبر منصة «إكس» وقرأها أكثر من مليون شخص، أكد كنت أنه لا يستطيع «بضمير حى» دعم الحرب على إيران، معتبرا أنها جاءت نتيجة «ضغوط إسرائيلية وحملة تضليل» هدفت إلى إقناع إدارة دونالد ترامب بوجود تهديد إيرانى وشيك، معتبرا أن هذه الحرب تخدم بالأساس المصالح الإسرائيلية، ولا تعكس أولويات واشنطن الاستراتيجية.

وعكست هذه الكلمات ما يمكن وصفه بالمسكوت عنه داخل دوائر القرار الأمريكية. وجاءت استقالة كنت لتؤكد ما قاله وزير الخارجية الأمريكى ماركو روبيو حين أقرّ أمام مجلس الشيوخ بأن الولايات المتحدة دخلت الحرب بعد قرار إسرائيلى بمهاجمة إيران، وأنه «لم يكن بالإمكان ترك إسرائيل وحدها».

جدير بالذكر أن تكلفة الحرب حتى الآن تجاوزت 20 مليار دولار، وتضيف مليار دولار يوميًا، كما أسفرت عن مقتل 13 جنديًا أمريكيًا حتى الآن، وهو ما يزيد من الضغوط الداخلية على إدارة ترامب. ومع قرب دخول الحرب أسبوعها الخامس دون حسم عسكرى واضح، ومع زيادة شعور الأمريكيين بتأثير القتال فى الشرق الأوسط على حياتهم اليومية مع ارتفاع تكلفة وقود السيارات بما يقرب من 30%، وما يتبعه من ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمعيشية الأساسية، أصبح ملفتًا علنية إلقاء اللوم على إسرائيل بالاسم، وهو ما يمثل سابقة مهمة لم تعد مقتصرة على أحاديث الغرف المغلقة.

من جانبها، ومنذ بدء الهجمات على إيران، عبأت شبكات اللوبى الإسرائيلى، المباشرة وغير المباشرة، والممثلة فى عدد من مراكز الأبحاث منها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أو مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أو منظمات حقوقية وغير حزبية، تدعم السرديات الإسرائيلية كمؤسسة مكافحة التشويه، أو جهات إعلامية كمجلس تحرير صحيفة وول ستريت جورنال، لتكرر عدة نقاط هامة لأبعاد شبهة توريط إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو للولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب فى حرب بالاختيار وليست حربًا بالاضطرار.

وتكرر هذه الجهات ما تعتبره واحدة من أكثر الأكاذيب استمرارًا وتداولًا فى الخطاب السياسى الأمريكى، وهى الادعاء بأن هذه الحرب هى «من أجل إسرائيل». وتؤكد هذه اللوبيات أن «هذه ليست حرب إسرائيل، بل هى حرب أمريكا، فرضها ما يقرب من نصف قرن من العدوان الإيرانى، وسفك الدماء، وأخذ الرهائن، والكراهية الأيديولوجية الموجهة أولًا وقبل كل شىء نحو الولايات المتحدة». كما تستدعى هذه اللوبيات حديث التاريخ المنتقى بعناية، ويقولون: «لم تبدأ الجمهورية الإسلامية الإيرانية عداءها لأمريكا بسبب إسرائيل، بل بدأ العداء من أيام الثورة الأولى فى عام 1979، فى اللحظة التى استولى فيها رجال الدين على السلطة، قبل وقت طويل من اتهام أى رئيس أمريكى حديث بالتصرف بناء على طلب إسرائيل. منذ اليوم الأول، عرف النظام نفسه من خلال كراهيته للولايات المتحدة، واصفًا إياها بالشيطان العظيم، وجعل المواجهة مع أمريكا ركيزة مركزية لهويته الثورية».

ولا يتوقف هذا التيار عن استدعاء أزمة رهائن السفارة الأمريكية بطهران، وصولًا لما يعتبرونه دعمًا إيرانيًا لهجمات أسفرت عن تفجير ثكنات مشاة البحرية الأمريكية فى بيروت عام 1983، وقتل فيه 241 جنديًا أمريكيًا، إضافة لما يرونه دورًا إيرانيًا من خلال تزويد الميليشيات المدعومة من إيران بقنابل توضع على جانب الطريق، قتلت وشوهت مئات الجنود الأمريكيين.
• • •
ويتهم اللوبى اليهودى معارضيه بأنهم، مع هذا السجل الإيرانى المعادى لأمريكا، ما زالوا يصرون على أن تحرك ترامب العسكرى جاء «من أجل إسرائيل».
ومن بين الأصوات التى تركز إسرائيل على مهاجمتها شخصيات إعلامية نافذة مثل تاكر كارلسون، وكانديس أوينز، ونيكولاس فوينتس، وميجين كيلى، الذين روجوا بشكل مباشر أو غير مباشر لسردية أن السياسة الأمريكية تجاه إيران مدفوعة بمصالح إسرائيلية وليس أمريكية.

ويكرر أنصار إسرائيل أن الإيرانيين على مدار ما يقرب من نصف قرن لا يهتفون «الموت لإسرائيل» وحدها، بل يهتفون كذلك «الموت لأمريكا» بحماس مماثل. ويدعى اللوبى أن المنتقدين الذين يدعون أن الحرب على إيران تهدف إلى حماية إسرائيل يتجاهلون النقطة الأساسية، وهى أن «أمريكا تحمى نفسها»، إذ لا يمكن لأى دولة ذات سيادة أن تتسامح مع نظام قتل مواطنيه مرارًا، وهاجم مصالحه، وأخذهم كرهائن، وفى الوقت نفسه يسعى نحو امتلاك القدرة النووية.

وتدعى إسرائيل أن أنصار تيار «حرب إسرائيل» يهدفون إلى تشويه شرعية الهجمات الأمريكية على إيران، وتحويل اللوم بعيدًا عن المعتدى الحقيقى، وهو النظام الإيرانى. ولا يغيب عن سرديات إسرائيل ولوبياتها الأمريكية التطرق إلى اتهام منتقديها بتغذية الشك والانقسام، وبالطبع «معاداة السامية».
• • •
وفى النهاية، من المثير أن تتزامن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الجارية على إيران مع ذكرى مرور عشرين عامًا على نشر كتاب «لوبى إسرائيل وسياسة أمريكا الخارجية» لجون ميرشايمر وستيف والت فى مارس 2006، والذى ركز على الدور الذى تلعبه جماعات اللوبى اليهودى فى تشكيل «الخطاب السياسى» و«السياسات» الأمريكية تجاه إسرائيل. وبعد عشرين عامًا، لم تتغير سياسات واشنطن الداعمة لإسرائيل مع استمرار هيمنة نفوذ اللوبى على دائرة صنع القرار الأمريكى، إلا أنه من المؤكد أن اللوبى اليهودى لم يتوقع أن تتغير السرديات داخل الولايات المتحدة لتصل لدرجة انحدار الدعم الشعبى الأمريكى لإسرائيل، خاصة بين الشباب الأمريكى، بما يبشر بتبعات عبء دعم إسرائيل على المرشحين من كلا الحزبين فى السنوات القليلة القادمة.

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات