فى أوقات الأزمات – وما أكثرها فى الشرق الأوسط – يميل العقل البشرى، بدافع الخوف والتروما من أزمات سابقة، إلى محاولة إعادة ترتيب المشهد بشكل منطقى! فيبدأ فى رسم خريطة للأحداث وصنع رواية عنها بشكل يتلاءم مع القيم والأفكار التى نشأ عليها، ثم بعد ذلك يبدأ فى اختزال طريقة فهمه لهذه الأحداث بشكل ثنائى مبسط على النحو التالى: (أبيض/أسود)، (خير/شر)، (وطنى/ عميل)، (معنا أو ضدنا)! ثم مع الوقت، ومع تعقّد الأحداث واستمرارها لفترة زمنية أطول، ومع وجود آلات إعلامية تنقل المآسى والخسائر البشرية، تتحول طريقة الفهم هذه إلى عملية جماعية، وخاصة لو بدأ بعض قادة الرأى والفكر وغيرهم من نخب المجتمع فى تبنّى هذه السردية المبسطة، وهذا مع الوقت يصبح ما يُطلق عليه البعض «العقل الجمعى»!
لكن المشكلة لا تتوقف عند هذا العقل الجمعى وروايته المبسطة للأحداث، بل تمتد لتكون بمثابة طاقة ردع لأى محاولة – حتى لو فردية – للتساؤل عن مدى دقة هذه الرواية! فمجرد التساؤل – ناهيك عن محاولة الاشتباك النقدى – ينفجر المجتمع فى وجهك، ثم يتحول هذا الانفجار إلى اتهامات هى فى حد ذاتها تعبير عن الثنائيات السطحية التى نتحدث عنها. كما أن هذا يسهل عمليا صبّ طاقة الغضب هذه تجاه شخص لا علاقة له بالحروب أو الأزمات أو الكوارث، لكنه يظل أمام هذا الجمع هدفا يسهل النيل منه بلا أثمان كبيرة. ومن ثم يفضل الجميع السلامة والتماهى مع الرواية الجمعية، أو على الأقل التظاهر بتصديقها، حتى لا نجد ثمة انتقاد حقيقى يشتبك مع سرديتنا الجمعية هذه!
• • •
هنا تظهر مشكلة أكبر وأعمق من المشكلتين السابقتين (الروايات المبسطة، والتماهى معها)، ألا وهى مشكلة الافتراضات العاطفية المشحونة بالمشاعر لا بالعقل، حتى لو كانت هذه الافتراضات لا يمكن أن تصمد أمام حقائق الواقع. لا يهم هذا، طالما أنها توفر فهما بسيطا ومريحا للجماهير!
يمكننا استدعاء نموذج من الاقتصاد السياسى لفهم مشكلة الفرضيات الخاطئة الناتجة عن عملية التبسيط المخلّ هذه. تخيل أن هناك سوقا تجارية يسيطر عليه كيان احتكارى ضخم يمتلك خطوط الإنتاج وسلاسل التوريد وشبكات التوزيع. يكره الناس هذا الكيان لأنه ببساطة احتكارى ولا يوجد له منافسون حقيقيون، ومن هنا يضطر المستهلك إلى شراء السلع بالأسعار التى يحددها هذا الكيان. وفى ظل هذا الوضع المثير للغضب، يوجد متجر محلى يحاول تعطيل هذه السيطرة من خلال تكتيكات بسيطة، كتقديم سلع أخرى بديلة، أو وعد سكان الحى الذى يوجد فيه هذا السوق بتقديم الوظائف والعمل معا من أجل إسقاط هذا الكيان الاحتكارى. إذا تعرض هذا المتجر المحلى لأزمة مالية أخرجته من المنافسة، فإن الاستنتاج العاطفى لسكان الحى سيكون: «لولا غياب هذا المتجر، لما تمكن الكيان الضخم من احتكار السوق». لكن أى خبير اقتصادى سيدرك فورا أن هذا التحليل يتجاهل البنية التحتية الصلبة التى بناها الكيان الاحتكارى على مدار عقود. غياب المتجر المحلى لم «يخلق» الاحتكار، بل أزال العائق التكتيكى الذى كان يحجب الرؤية عن حجم الاحتكار القائم بالفعل.
المثل السابق ليس من عندى ولا من صنع أفكارى، ولكنه مثل بسيط ندرسه لطلاب العلوم السياسية بشكل خاص، والعلوم الاجتماعية بشكل عام، عن خطأ شائع فى التحليل له عدة أسماء، لعل أشهرها هو Spurious Correlation، وهو ما يمكن ترجمته بالعربية إلى «خطأ الارتباط الزائف»، أى افتراض أن تواجد عاملين معا فى نفس الوقت يصنع علاقة سببية (أى إن أحدهما يتسبب فى الآخر)، ولكن هذا غير صحيح! لكن مع وجود السردية الجماعية التى تفترض هذا الارتباط، والمدفوعة بطاقة غضب، يصعب أن تكون هناك أصوات معتبرة لتقول للناس إن هذا الارتباط زائف!
هذه المشكلة تظهر عندما نحاول مناقشة قضية حساسة كقضية «الهيمنة الإسرائيلية» على السياسات الإقليمية فى الشرق الأوسط. فلأن إسرائيل دولة حرب ومتورطة عبر تاريخها فى جرائم دموية بحق العرب عموما، والفلسطينيين خصوصا، فإن مناقشة أسباب التفوق الإسرائيلى أو الهيمنة على المنطقة يعتريها كلّ المشاكل المشار إليها أعلاه، من أول افتراض أن الهيمنة الإسرائيلية كان يمنعها الردع الإيرانى، وصولا إلى الاعتقاد بأن الحرب الحالية من شأنها تدمير هذا الردع، مرورا باعتبار أن أى محاولة للاشتباك مع هذه الفرضية تعنى بالضرورة الموافقة على الحرب أو دعم إسرائيل أو أمريكا.
• • •
هنا يتم تجاهل مفارقة صارخة؛ ألا وهى مساهمة النظام الإيرانى نفسه، عبر سياساته وتدخلاته، فى تحطيم المنظومة الأمنية العربية وتفكيك دول الإقليم من الداخل، وهو ذات الإقليم الذى تدّعى تلك السردية المريحة أن طهران كانت تحميه وتقف سدا منيعا للدفاع عنه.
لكن الهروب من هذا الاشتباك النقدى خوفا من «الانفجار الجمعى» يعمينا عن رؤية الهيكل الحقيقى للقوة. القراءة الفاحصة تكشف أن إسرائيل لم تقف يوما فى قاعة الانتظار الإقليمية تترقب لحظة تعثر إيران لتنقض على المنطقة. نحن نتحدث عن مشروع يمتلك منذ عقود محركات قوة وذاتية شديدة الرسوخ: إيمان باليهودية كقومية، تفوق تكنولوجى وعلمى يتجاوز المحيط الإقليمى، جهاز استخباراتى واسع ومعقد رغم بعض إخفاقاته، ومؤسسات فاعلة وقادرة على إنتاج السياسات، وارتباط عضوى وشراكة استراتيجية تضمن لها «التفوق العسكرى النوعى» كعقيدة أمريكية ثابتة. اختزال كل هذا التراكم فى «تراجع إيران» هو، فى حقيقته، تبرير مريح لقصورنا الذاتى.
• • •
لذا، فإن المقاربة الأصح هى أن نرى الحرب الحالية كـ«حرب كاشفة»، وليست «حربا مؤسسة». التطورات العنيفة لم تهب إسرائيل أدوات قوة لم تكن تمتلكها سلفا، بل أسقطت أوراق التوت وأظهرت بصورة فجة ما كان مستقرا تحت السطح. ما نشهده الآن هو لحظة انكشاف عنيف لقوة كامنة، وليس بناءً للقوة من نقطة الصفر.
بالطبع، هذا لا يعنى تجاهل وزن إيران الإقليمى أو تحديها للمشروع الإسرائيلى. لقد كانت طهران رقما مهما فى تحدى إسرائيل، وغيابها أو تهميشها سيحدث فراغا جيوسياسيا. لكن هناك مسافة شاسعة بين الاعتراف بدور فاعل إقليمى، وبين تحويله إلى «المتغير المستقل» الذى يفسر صعود أو هبوط النفوذ الإسرائيلى. القفز فوق هذه المسافة هو ما يشوّه الرؤية، ثم الدعوة إلى اصطفاف قبلى مع هذا النظام لإبراء الذمم!
فى النهاية، يتطلب النضج الفكرى والسياسى قدرة على استيعاب «الجمل المركبة». من المنطقى، بل ومن الواجب، أن نرفض العدوان الإسرائيلى، وأن نحلل إخفاقات المشروع الإيرانى وإجرامه فى الوقت ذاته، دون أن نقع فى فخ اعتبار القيادة الإسرائيلية نموذجا يستحق التبرير. هذا الاستيعاب للتناقضات ليس ترفا لغويا، بل هو الأداة الوحيدة لاحترام تعقيد الواقع. الخروج من فخ الهيمنة يبدأ حقا حين نتوقف عن الخلط بين ما يريح مشاعرنا، وبين ما يفسر واقعنا بدقة.
أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر