إيران.. حين يفتح «حكم السماء» أبواب الأرض للغزاة! - أحمد عبد ربه - بوابة الشروق
الإثنين 2 فبراير 2026 12:20 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد أزمة إمام عاشور.. ما تقييمك لعقوبة الأهلي؟

إيران.. حين يفتح «حكم السماء» أبواب الأرض للغزاة!

نشر فى : السبت 31 يناير 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : السبت 31 يناير 2026 - 7:30 م

ونحن نقرأ تغريدات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مساء يوم الخميس الثامن والعشرين من يناير ٢٠٢٦، عن الأساطيل التى تتحرك بسرعة نحو الخليج، لا نملك إلا أن نرى المشهد بوضوح مخيف. إيران الآن تقف مكشوفة تمامًا، ليس عسكريًا فقط، بل سياسيًا وأخلاقيًا. المشهد فى طهران، حيث الهدوء الحذر يسيطر على الشوارع بعد قمع عنيف خلّف آلاف الضحايا، يلخص لنا مأساة المنطقة كلها فى درسين قاسيين جدًا: الدرس الأول هو أن أقصر طريق لاستدعاء «الخارج» لضرب بلادك هو أن تهين «المواطن» وتكسر كرامته؛ والدرس الثانى هو أن أسرع طريق للوصول إلى الديكتاتورية هو الحكم باسم الله!


المظاهرات التى اندلعت فى إيران أواخر العام الماضى لم تكن مجرد غضب بسبب الجوع، رغم أن انهيار العملة كان السبب المباشر. الموضوع كان أعمق بكثير، فقد كانت صرخة ضد فكرة «الحكم الإلهى». النظام الإيرانى يقدم لنا اليوم أوضح دليل على أن خلط الدين بالسياسة هو وصفة سريعة لصناعة الفاشية. لماذا؟ لأنك حين تحكم باسم «الشعب» أو «الدستور»، قد تخجل، قد تراجع نفسك، قد تعمل حسابًا للرأى العام. لكن حين تحكم باعتبارك «ظل الله على الأرض»، وممثل العناية الإلهية، هنا لا تكون المعارضة «رأيًا آخر»، بل تصبح «كفرًا». وضرب المتظاهرين لا يصبح قمعًا، بل يصبح «جهادًا». هذا الغطاء الدينى هو الذى جعل ضمير النظام الإيرانى مرتاحًا وهو يقتل الآلاف فى أسابيع قليلة، لأنه مقتنع بأنه ينفذ مراد الله، لا مراد الكرسى.


• • •
الاستبداد الدينى هو أخطر أنواع الاستبداد، لأنه يلغى المسافة بين السياسى المُدنَّس والدينى المقدس. فى النظم المدنية الديمقراطية، المعارض هو مجرد «خصم سياسى» نختلف معه فى الرؤية والبرامج، لكنه يظل شريكًا فى الوطن. أما فى النظام الدينى، فالمعارض يتحول إلى عدو لله، وحكم الله لا يقبل النقاش أو التفاوض. ما نراه فى إيران اليوم من مجازر ليس تصرفًا فرديًا، بل هو جوهر هذا النظام. نظام يفشل فى توفير الخبز والإنترنت لشعبه، لكنه ينجح بامتياز فى توفير الأكفان وتصدير الميليشيات، هو نظام فقد مبرر وجوده على الأرض، فقرر الاحتماء بالسماء!


وبالإضافة إلى ذلك، فإن الدرس الاستراتيجى الذى يجب استيعابه جيدًا، وخصوصًا للأنظمة السياسية فى منطقتنا، هو أن الاعتماد الحصرى على «القبضة الأمنية» قد لا يكون كافيًا لتحصين الدول. الحقيقة العارية تقول إن تماسك الجبهة الداخلية هو خط الدفاع الأول والحقيقى أمام أى ضغوط خارجية. التحركات الأمريكية الأخيرة، وحشد القوة العسكرية، لا تحركها العواطف أو الرغبة فى نشر الديمقراطية بقدر ما تحركها «الواقعية السياسية» وحسابات المصالح، التى تستغل أى فجوة بين الأنظمة وشعوبها، ولنا فى دول كثيرة فى المنطقة عبرة! عندما تتآكل الثقة فى الداخل، تصبح الدولة أكثر انكشافًا أمام الخارج. والخطورة الكبرى تكمن فى أن يُوضَع المواطن فى مفاضلة قاسية بين ضغوط الداخل وأجندات الخارج، وهو المناخ الذى يضعف المناعة الوطنية ويجعل السيادة فى اختبار صعب. فالدول القوية هى التى تستمد شرعيتها ومناعتها من رضا مواطنيها، وليس فقط من قدراتها الأمنية!


• • •
التقارير التى تتحدث عن مسئولين كبار فى إيران يهربون أموالهم إلى الخارج، وعن حالة الرعب التى ضربت مفاصل الدولة بمجرد اقتراب الأسطول الأمريكى، تكشف أن البطل كان من ورق. النظام الذى كان يهدد بمحو إسرائيل يرتجف اليوم لأن رصيده فى الشارع صفر. ترامب يفهم هذا جيدًا، ولذلك يلوّح بسيناريوهات مرعبة وهو واثق من نفسه، لأنه يعلم أن الشعب الإيرانى المنهك لن يخرج ليفدى نظامًا قتله بالأمس فى الميادين. هذه هى القاعدة التى لا تخيب: كلما زادت القسوة فى الداخل، زادت الجرأة عليك من الخارج.
وهناك نقطة أخرى شديدة الخطورة، وهى أن النظام فى إيران دمر بنفسه «خطوط الدفاع» السياسية التى تحمى الدول عادة فى أوقات الأزمات. ففى الدول الطبيعية، توجد مؤسسات وشخصيات عاقلة تستطيع التفاوض وتخفيف الضغط الخارجى. لكن مشكلة النظام الحالى هى أنه أقصى كل الأصوات المختلفة، وأبقى فقط على «أهل الثقة» لا «أهل الكفاءة». هذا الوضع جعل الدولة متصلبة جدًا وغير قادرة على المناورة أو التفاهم مع العالم، مما حوّل الأزمة الحالية من مجرد توتر سياسى يمكن حله إلى مأزق وجودى يهدد بانهيار المعبد على رءوس الجميع.


لكن، ولكى تكون الصورة كاملة وأمينة، يجب أن نحذر من «الوهم» الآخر. المأساة الحقيقية للشعب الإيرانى أنه محاصر بين خيارين أصعب من بعضهما: استبداد دينى يخنق الأنفاس، وتدخل خارجى قد يدمر الدولة. التاريخ القريب فى منطقتنا، من العراق إلى ليبيا، علمنا درسًا لا يُنسى: التدخل العسكرى الخارجى لا يجلب الديمقراطية أبدًا. يجلب فوضى، يجلب تفككًا، يجلب حربًا أهلية، لكنه لا يجلب ديمقراطية. الذين يراهنون فى طهران اليوم - من فرط اليأس - على أن صواريخ ترامب هى التى ستحمل لهم الحرية، ينسون حقيقة مرة: مصالح أمريكا هى تحجيم إيران أو ضرب برنامجها النووى، وليست حرية المواطن الإيرانى.


• • •
التدخل الخارجى يشبه «العملية الجراحية الخاطئة»: المريض يموت والجرح يظل مفتوحًا. الأسطول الأمريكى قد يسقط النظام، نعم، لكنه لن يبنى مجتمعًا مدنيًا ولن يطعم الناس. الديمقراطية التى تأتى محمولة على ظهر دبابة أجنبية تظل ديمقراطية عرجاء ومشبوهة.
ما يحدث فى إيران اليوم، فى أواخر يناير ٢٠٢٦، هو جرس إنذار للمنطقة كلها. يقول لنا باختصار: الطريق إلى الله يمر بخدمة الناس والعدل بينهم، لا بقهرهم، والطريق للحفاظ على البلد يمر باحترام المواطن، لا بإذلاله. النظام الإيرانى سار عكس الاتجاه فى الحالتين؛ حكم باسم الدين فكرّه الناس فى التدين، وداس على كرامة شعبه ففتح الباب لعدوه. النتيجة هى ما نراه: دولة كبيرة ذات تاريخ تتحول إلى ساحة حرب محتملة، وشعب عظيم يجد نفسه رهينة بين نظام لا يرحم، وعالم خارجى لا يعرف غير لغة المصالح. هذه مأساة الاستبداد حين يرتدى عباءة الدين، ومأساة الأوطان حين ينسى حكامها أن العدل هو أساس الملك، وليس القوة.


أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر

أحمد عبد ربه أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر