قتل على الهواء مباشرة - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 8 مارس 2026 7:49 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

قتل على الهواء مباشرة

نشر فى : السبت 7 مارس 2026 - 5:05 م | آخر تحديث : السبت 7 مارس 2026 - 5:05 م

 

لم تعد الحرب تعاش فقط على الجبهة ولكن نتابعها أيضا على الهواء مباشرة بواسطة الشاشات المختلفة: تليفزيون، تليفون، فيديوهات وصور على الانستجرام وتيك توك، إلى ما غير ذلك. السرديات هى الأخرى تتصارع والعواطف تتحرك وفق ما يشاهده الفرد منا وبحسب خيارات فريقه (أهل وعشيرته) لأننا جميعًا ننتمى إلى دوائر نشكلها وتشكلنا. تعبنا من رؤية القتل والنهب وسفك الدماء على مدار السنوات الأخيرة، فالتوتر والظروف العصيبة التى تمر بها المنطقة يهددان وجودنا من أكبر رأس إلى أصغر رأس. خطر صهيونى، استعمار، إمبريالية جديدة (سمه ما شئت)، ببساطة سئمنا الجلوس لمتابعة ما يحدث بين مرارة الهزائم وغضب العاجز، فلا قوانين ولا أعراف تحترم.


• • •
لم يعد الليل عامر بالغزل والأضواء الخافتة، بل صار وقتًا مناسبًا للهجمات العسكرية، ننتظر الظلام لتشتعل جهنم الحمراء وترتفع ألسنة اللهب فى عنان السماء، فبعض أنواع الأشعة التى تستخدم لرصد الجنود والآليات وتحديد الأهداف لا يمكن كشفها فى العتمة. تفجعنا صور طفل جريح تحت الأنقاض وأم ثكلى تجرى وسط الركام ودخان أسود كثيف يعمى الأبصار... صور أبلغ من ألف كلمة وكلمة، بعضها ينتشر بشكل واسع كالفيروسات بين البشر ويجيد استخدامه الخصوم لكى يحشد كل طرف الرأى العام لصالحه، ونقع ضحايا التضليل الإعلامى، فهناك دومًا يد خفية تتحكم فيما يصل إلينا من معلومات وتحاول التلاعب بعقولنا وتتدخل بالحذف أو الإضافة، ونحن نجاهد لكى نفهم مجريات الأمور وبعضنا يقع فى الفخ. كتب الكثيرون عن دور المنصات التكنولوجية فى التعتيم خلال حرب روسيا وأوكرانيا ومن بعدها الإبادة الجماعية فى غزة، فالكيانات العملاقة مثل ميتا وجوجل هى أدوات الحجب والدعاية السياسية الحديثة، هى من تحدد من خلال خوارزميات دقيقة أولويات المستخدمين وما يردهم من أخبار، وقد حولوا هؤلاء لمجرد مستهلكين للمواد الإعلامية. وعلى هذا النحو يتعامل المتلقى مع صور العنف والحرب كما يتعاطى مع المنتجات الإعلامية الأخرى. يعتادها بعد فترة، وقد يسأمها نظرًا للتكرار والوفرة. وكذلك يقرر المسئولون عن أمن الكوكب ضرورة التركيز على صراعات بعينها فتنصرف الأنظار عن حروب أخرى لاتزال دائرة وتستعر، لا يتكلم أحد عن ما يجرى فى السودان وفى بؤر نزاعات أخرى حول العالم يفوق عددها المائة بقليل وفق الأرقام المنشورة على بوابة «قانون الصراعات المسلحة» التابعة لأكاديمية جنيف للقانون الدولى وحقوق الإنسان، فالحرب التى لا تُنقل على الهواء مباشرة لا يهتم بها أحد ولا تُحتسب.. حرب غير مصورة كأنها لم تكن!


• • •
تدريجيًا تلاشت المسافة بين الواقع والخيال، بين الدراما التليفزيونية أو أشرطة السينما والأوضاع السياسية، أصبح كلاهما يشبه الآخر ويقلده، فنشعر عند متابعة الأحداث الجارية أننا قد رأينا بعض المشاهد من قبل عبر أفلام حرب الكواكب والجاسوسية. وعلى النقيض يلجأ بعض الساسة وأصحاب النفوذ إلى أنماط تواصل وأشكال دعائية استلهمها خبراؤهم من أعمال درامية ناجحة، لأن المؤلفين جربوها ولاقت قبولا لدى المتلقين فى بعض المسلسلات ذات الطابع السياسى التى انتشرت منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الفائت، وبالتالى مدتهم بالأفكار المبتكرة للتفاعل مع الجماهير. كان من الصعب أن نتوقع اغتيال زعيم دولة على الهواء مباشرة ومتابعة آخر لعملية القتل وقت حدوثها، ظننا ذلك ضربًا من خيال كتاب السيناريو لجذب المشاهدين وتفريغ مشاعرهم السلبية المكبوتة، لكنه حدث بالفعل بواسطة برامج الذكاء الاصطناعى. استعان الأمريكان وحليفتهم إسرائيل بثلاثة برامج وتطبيقات عسكرية للتخلص من المرشد الأعلى لإيران السيد على خامنئى، شبكة عالمية كاملة للمراقبة والاستهداف طورتها شركات «بالانتير» للبرمجيات الذكية و«أندوريل» المتخصصة فى التقنيات الدفاعية ونموذج «كلود إيه آى» لتحديد الأهداف وسيناريوهات المعارك وتدبير عملية «الغضب الملحمى» والإعداد لها، وهى السابقة الأولى من نوعها التى يُستخدم فيها الذكاء الاصطناعى للتخلص من الأفراد. أثار ذلك نقاشات عاصفة وتساؤلات حول مدى أخلاقية مثل هذه الممارسات، لكن أحدًا لم يحرك ساكنًا حتى بعدما قيل إن التقنيات نفسها ساهمت فى إلقاء القبض على مادورو، رئيس فنزويلا السابق والوصول إلى عقر داره. الصدمة الواسعة يتبعها وابل من الصور يمر سريعًا على الشاشات فيجعل الأمر اعتياديًا، كما لو كنا فى السينما.


• • •
تحول القمر إلى اللون الأحمر الدموى منذ أيام، ظهر فى سماء المنطقة، بسبب الخسوف وظهرت معه تخوفات الناس من أن يكون نذير شؤوم. ارتقب البعض رسالة مطمئنة تأتيهم من فوق السحاب كدعاء كروان يردد على شرفة منزل فى وقت السحر «الملك لك لك يا صاحب الملك» مثلما تقول معتقدات الثقافة الشعبية والتراث، بدلًا من كوارث الذكاء الاصطناعى والصور المخيفة على الشاشات.

التعليقات