مقص مدام تهانى - داليا شمس - بوابة الشروق
الإثنين 11 مايو 2026 10:12 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

مقص مدام تهانى

نشر فى : السبت 9 مايو 2026 - 6:55 م | آخر تحديث : السبت 9 مايو 2026 - 6:55 م

 

انقطع الوصل وصارت فجأة وحيدة. تدور فى أرجاء البيت، يخيفها حفيف ورقة سقطت على الأرض. لم تعد تحتمل صوت الارتطام مهما خف وزن الشىء أو الشخص. فقدت زوجها بسبب حادثة ارتطام غبية أفضت إلى نزيف بالمخ، وانقلبت حياتها فى لمح البصر. جلست تلهث دون أن تتحرك. منذ حوالى الساعة ودعت الرجل الذى أحبته لآخر مرة. امتلأت المقبرة بضجيج حزين وعندما وضعوا التابوت على الأرض سقط قلبها معه. ظلت متجمدة فى مكانها وتمنت أن يرحل الناس جميعهم وتبقى معه لتتجاذب أطراف الحديث، حتى لو لم يرد.. لا مشكلة، هى تعرفه جيدًا ويمكنها أن تتنبأ بما كان سيقوله وأن تسمع إجاباته وضحكاته ترن فى أذنيها. تريده أن يرجع إليها، رغم كونها تعرف أن ذلك محال. فقدا الكثير من الوقت وأضاعا الفرص بسبب تفاهات. لذا كانت تدندن له بين الحين والحين أغنية وردة «آه لو قابلتك من زمان»، وهو يسعد بغنائها.


ابتعدت عن النافذة لكى لا يطالها الضوء ولا تلمحه. أمسكت بالمقص وراحت تعبث بصورهما القديمة. تمارس عليها لعبة القص واللصق. قررت أن تحذف الأشخاص غير المرغوب فيهم وتعدل بعض المواقف التى كان من الممكن تفاديها. حاولت تغيير المسارات إلى الأفضل من وجهة نظرها.. لحظات لم يكتب لها أن تكون أجمل وأخرى من المفترض ألا تحدث على الإطلاق.


• • •
عندما جاءت إلى هذه الشقة، وجدت فيها المقص.. مقص مدام تهانى، الخياطة التى سكنت البيت قبلها. ورثت المقص عن تلك السيدة التى لا تعرف عنها إلا لماماً، ولسبب أو لآخر احتفظت به لسنوات وسنوات، والآن جاء دوره فى هذه الأوقات الحالكة. تذكرت أن مدام تهانى فقدت هى الأخرى وليفها مبكرا وبشكل مباغت، لذا تركت البيت بعد أن عاشت فيه لفترة تحيك ثياب النساء الأخريات وتجهز العرائس. قيل إن تهانى اشتهرت بقصاتها المتميزة وبراعتها فى تنفيذ الموديلات التى تنتقيها بعناية من المجلات الأجنبية المتخصصة. لم تفهم أبدا لماذا أخذت مدام تهانى كل متعلقاتها وتركت هذا المقص؟ هل نسيته أم تعمدت ذلك؟ هل اعتبرته نذير شؤم فرحلت وخلفته وراءها مع الذكريات بحلوها ومرها، واتجهت إلى بورسعيد حيث عائلة أمها لتبدأ حياة جديدة؟ هل هو السبب فى قطع الوصل المفاجئ فى حالتيهما؟ ربما يحمل بين طرفيه معنى الانفصال.


وضعت صاحبتنا جل تركيزها على حكاية المقص، كى تلهى نفسها وتهرب من مشاعر الفقد الأليمة. اندمجت فى القراءة عن تاريخ المقصات والأساطير التى أحاطت بها لأيام، ففى بعض الثقافات يساعد المقص على فك الأسحار وإبطال مفعولها، وفى غيرها هو يسهم فى تفريق الشمل وانفصال الأحبة. ابتسمت حين تذكرت كيف كانت تنهرها مربيتها وهى صغيرة بسبب لعبها بالمقص، وطالما كررت على مسامعها أن ترك المقص مفتوحا يجلب الحظ السيئ ويؤدى إلى اندلاع المشاجرات بالمنزل. هذه القصص والروايات صاحبت المقص منذ اختراعه فى مصر القديمة خلال العصر البرونزى منذ حوالى 1500 سنة قبل الميلاد. بعدها تم تطويره على يد الإغريق والرومان. وربط البعض بينه وبين أحد عباقرة عصر النهضة وهو ليوناردو دافنشى إذ استعمله لفصل وتقطيع القماش، لكن المقص اقترب أكثر فأكثر من شكله الحالى خلال القرن السابع عشر، وانتشر حول العالم بسبب حركة التبادل التجارى. وفى القرن الثامن عشر استخدم البريطانى روبرت هينشليف الفولاذ فى صناعة المقصات وإنتاجها بكميات كبيرة. ساهم كل ذلك فى تطور وازدهار بعض المهن مثل الخياطة وتصفيف الشعر والجراحة، وكان له دور فى نمو صناعة النسيج والورق. وخلال خمسينيات القرن العشرين، تعددت أشكال المقصات وأصبح كل منها مخصصًا لغرض أو لمجال بعينه، فهناك مقص للحياكة وآخر للمطبخ وثالث لأعمال الكهرباء ورابع للأشجار وخامس للأظافر، إلى ما غير ذلك.


• • •
وأثناء رحلة البحث والتمحيص، توقفت عند تاريخ بعينه ربط مصيرها أيضًا بمدام تهانى دون أن تدرى، إذ فقدت كلتاهما زوجها فى اليوم العالمى للمقص، الموافق 16 أكتوبر. هل فعلًا اقتنعت تهانى بتأثير هذه الأداة اللعينة على حياتها، لذا تركتها ومضت؟ فى ورش الخياطة، كما اكتشفت من خلال قراءاتها، يردد العاملون أنه إذا اتجهت شفرة المقص ناحية الباب، فذلك معناه أنه هناك من سيغادر المكان بلا رجعة، ربما بسبب الاستغناء عن خدماته مثلا، أما إذا أشارت ناحية النافذة فكل شىء سيسير على ما يُرام. ربما تشبعت تهانى بمثل هذه المعتقدات، ما يفسر ارتيابها وتوجسها من المقص، وربما كان لديها أسباب أخرى لا تعلمها صاحبتنا، وربما سقط سهوًا بكل بساطة، وكان من نصيبها التقاطه.


تقبض على أصابع المقص مجددًا لتواصل مهمتها المقدسة المتعلقة بتغيير المسارات. تفتقر إلى صبر زوجها، لكنها تحاول أن تمسك بزمام الأمور وتفصل بين مشوارها وحياة تهانى، لاتريد أن تتقاطع مصائرهما أكثر من ذلك، إلى هنا وكفى، لم تعد ترغب فى معرفة المزيد.. رن الهاتف، لكنها لم تتعرف على الصوت. بلعت ريقها بصعوبة، ثم باغتت المتصل بسؤالها: «من أنت؟» صديق قديم رجع من الماضى، لكنها ليست مستعدة للتحدث مع أى كائن من كان. تسير فى البيت هائمة على وجهها بشعر طويل منفوش. تشبه الساحرات اللائى تحدثت عنهن الأسطورة اليابانية، يحملن مقص عملاقًا ويسرن فى الظلام، وحين يمر أحدهم إلى جوارهن يقمن بقتله. تريد أن تنتقم لنفسها، أن تفك الارتباط مع تهانى، أن تتخلص من هذا المقص وتصب جم غضبها عليه. مقص قديم، ثلم، بارد، لا يستحق الحياة.

التعليقات