تعقيدات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الأربعاء 4 فبراير 2026 5:00 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد أزمة إمام عاشور.. ما تقييمك لعقوبة الأهلي؟

تعقيدات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة

نشر فى : الثلاثاء 3 فبراير 2026 - 7:00 م | آخر تحديث : الثلاثاء 3 فبراير 2026 - 7:00 م

أجريت الانتخابات البرلمانية العراقية فى 11 نوفمبر 2025، وبلغت نسبة المشاركة فى التصويت 56,11% من إجمالى الناخبين المسجلين. وأعلنت النتائج النهائية للانتخابات فى 17 نوفمبر 2025، أى بعد ستة أيام فقط من إجرائها. وأسفرت النتائج عن فوز القوائم الشيعية بـ187 مقعدًا ومن بينها ائتلاف الإعمار والتنمية بزعامة رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السودانى بـ46 مقعدًا، أعلى عدد مقاعد بين الائتلافات الشيعية، أما ائتلاف القانون بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نورى المالكى فحصل على 29 مقعدًا أى الثانى بين الائتلافات الشيعية. وحصلت القوائم السنية على إجمالى 77 مقعدًا، ومن بينها حزب التقدم بزعامة محمد الحلبوسى 36 مقعدًا، أى الأعلى بين قوائم السنة. وحصلت القوائم الكردية على 56 مقعدًا، ومن بينها الحزب الديمقراطى الكردستانى 26 مقعدًا أى أعلى الأصوات بين الأحزاب الكردية. وحصلت الكوتا (حصة الفئات الدينية والعرقية الأخرى) على 9 مقاعد، من إجمالى مقاعد البرلمان 329 مقعدًا.

بدأت مسيرة اختيار الرئاسات الثلاث، رئاسة الجمهورية وهى من حصة الأكراد فى ظل نظام برلمانى سلطات الرئيس محدودة ومعظمها مراسمية. وجرى العرف على أن يكون الرئيس من الاتحاد الديمقراطى الكردستانى الذى تتزعمه أسرة طالبانى، ولكن نظرًا لأن الحزب الديمقراطى الكردستانى بزعامة أسرة بارزانى هو الحاصل على أعلى الأصوات بين الأحزاب الكردية ومن ثم يتمسكون بأن يكون رئيس الجمهورية هذه المرة من اختيارهم.

وأخذت المفاوضات رحلة طويلة لم تكتمل حتى الآن لاختيار رئيس للجمهورية العراقية وهو الذى يكلف رئيس الوزراء، وهو منصب من حصة الشيعة. أما رئاسة البرلمان فهى من نصيب السنة. وقد انتهى الاختلاف حول إعادة انتخاب محمد الحلبوسى، بانتخاب هيبت الحلبوسى رئيسًا للبرلمان من بين 19 مرشحًا، وذلك فى 29 ديسمبر 2025، وكانت أول رئاسة من الرئاسات الثلاث يتم الاتفاق عليها والانتهاء من إقرارها.

أما بالنسبة لترشيح من سيرأس الحكومة الجديدة، فقد أعلن محمد شياع السودانى، حتى أثناء الانتخابات، أن من حقه الترشح لرئاسة ثانية للحكومة، وأكد ذلك بعد أن حصل ائتلاف الإعمار والتنمية على أعلى الأصوات فى قوائم التيار الشيعى وفى الإطار التنسيقى الشيعى، ولكنه لقى معارضة قوية من داخل الإطار التنسيقى وأنه استنادًا إلى أن من يحصل على أغلبية قادة الإطار التنسيقى هو الذى من حقه الترشح لرئاسة الحكومة وأن محمد شياع السودانى لم يتحقق له ذلك ومن ثم فمن حق الإطار اختيار مرشحًا غيره.

 بدأت انتقادات من داخل الإطار توجه إلى أداء حكومة السودانى، وأنه لم يكن موفقًا فى تأييد ترشيح الرئيس الأمريكى ترامب لجائزة نوبل للسلام، وأن حكومته ارتكبت خطأ كبيرًا بأن ينشر فى الجريدة الرسمية أن حزب الله اللبنانى تنظيم إرهابى رغم إلغاء ما نشر بعد ذلك. ورد السودانى على هذه الانتقادات بأنها متعمدة ضد حكومته بدوافع خارجية، وهو يقصد إيران، ونفى السودانى أن يكون متمردًا على الإطارى التنسيقى الشيعى الذى ينتمى إليه، وأن كل القرارات الاقتصادية والسياسية الخارجية التى اتخذتها حكومته تمت بمعرفة الإطار دون انفراده بها، وأن ترشيح ترامب لجائزة نوبل للسلام كان للتهدئة وردًا على الانتقادات العراقية اللاذعة بتحميل ترامب مسئولية اغتيال قاسم سليمانى قائد فيلق القدس الإيرانى داخل العراق عام 2020 مع نائب رئيس هيئة الحشد الشيعى العراقى أبو مهدى المهندس، ونفى السودانى صدور أى قرار حكومى ضد حزب الله اللبنانى أو ضد جماعة أنصار الله الحوثية فى اليمن، وأن البعض يحاول التضليل؛ حيث إنه ليس للعراق أى موقف سياسى ضد هذه الأطراف، ولا توجد لها حسابات مالية فى العراق لتفرض عليها عقوبات، وأن العراق يستورد الغاز من إيران ويسدد ثمنه فى حساب خاص فى بنك التجارة لا تستطيع إيران أو العراق تحريك هذا الحساب وإلا لتعرض البنك المركزى العراقى لعقوبات أمريكية.

• • •

لكن الواقع العملى يتطلب حصول المرشح لرئاسة الحكومة على قبول الفرقاء السياسيين خاصة داخل الإطار التنسيقى الشيعى وأن يبدى استعدادًا للتوافق معهم والاستجابة لزعماء الطبقة السياسية، كما يتعين أن يلقى قبولاً وعدم اعتراض من أصحاب النفوذ الخارجى خاصة إيران والولايات المتحدة الأمريكية.

وإزاء دخول نورى المالكى، وتسعة آخرين بعضهم لم يخض الانتخابات، المنافسة على الترشيح لرئاسة الحكومة، اقترح الإطار التنسيقى الاقتصار على ثلاثة مرشحين يجرى اختيار أحدهم لمنصب رئيس الوزراء وهؤلاء الثلاثة هم محمد شياع السودانى، ونورى المالكى، وحيدر العبادى رئيس الحكومة الأسبق، وقد طلب الأخير شروطًا ليقبل توليه المنصب لم يقبلها الإطار التنسيقى ومن ثم تم استبعاده. وشعر السودانى أنه لن يحصل على أغلبية قادة الإطار، فأعلن تنازله عن الترشيح فى 11 يناير 2026. واشترط أنه إذا لم يتم الموافقة على ترشيح المالكى يكون هو المرشح ولا يتجه الإطار إلى أى ترشيح آخر. وتبقى موافقة البرلمان على المرشح.

قد توالت التحفظات من قبل عدة قوى وشخصيات سياسية عراقية على ترشيح نورى المالكى لرئاسة الحكومة الجديدة، حيث دعا المجلس السياسى الوطنى السنى قادة الإطار التنسيقى الشيعى إلى تحمل ما أسماه «المسئولية التاريخية» عند اختيار مرشحى الرئاسة الثلاثة، محذرا من إعادة تدوير تجارب سياسية ارتبطت بأزمات أمنية وسياسية واقتصادية لا تزال أثارها قائمة فى الواقع العراقى، وأن المرحلة الحساسة التى يمر بها العراق تتطلب قرارات وطنية تضع مصلحة العراق والشعب فوق كل اعتبارات أخرى، وأنه لوحظ وجود قلق واسع، لاسيما فى المحافظات العراقية التى عانت الحروب والإرهاب، من إعادة طرح أسماء قيادة ارتبطت مراحل حكمها بإخفاقات أمنية جسيمة أدت إلى سيطرة تنظيمات إرهابية على مساحات واسعة من العراق وتهجير ملايين المواطنين، وتدمير مدن كاملة، وتعقيدات فى علاقات العراق الإقليمية والدولية، وتراجعًا فى فرص الاستثمار والتنمية الاقتصادية، وبقاء ملفات إنسانية من بينها المغيبين والمختفين دون حلول عادلة. وأن هذه المواقف لا تنطلق من دوافع طائفية للمجلس السنى، مذكرًا بدعوات المرجعية الدينية الشيعية العليا فى النجف، ومرجعيات دينية أخرى إلى التغيير واختيار قيادات قادرة على حل الأزمات، وتعزيز المشاركة الوطنية وحماية السلم المجتمعى. ودعا المجلس إلى اختيار شخصية توافقية غير إقصائية، تضع مكافحة الفساد، وإعادة الإعمار، وبناء دولة المؤسسات والقانون فى مقدمة أولوياتها، محذرًا من أن العودة إلى تجارب سابقة قد يعمق الانقسام ويضعف ثقة الشعب بالعملية السياسية.

• • •

قد أرسلت واشنطن عدة رسائل علنية للإطار التنسيقى الشيعى والقوى السياسية العراقية ذات التأثير، مفادها ضرورة مراعاة أن يكون رئيس الحكومة العراقية الجديدة والوزراء غير موالين لإيران، وضرورة إنهاء ملف سلاح الفصائل العراقية المسلحة، وضبط تهريب الدولارات الأمريكية إلى إيران ودعم اقتصادها، خاصة وأن الفصائل المسلحة حصلت على 90 مقعدًا فى البرلمان المنتخب. وأعربت قوى الإطار التنسيقى رفضها لهذه الضغوط الأمريكية واختارت نورى المالكى الذى عرف خلال رئاسته للحكومة فى الفترة من 2006-2014، فترتين متتاليتين، بميوله القوية نحو إيران.

وأثار هذا الاختيار رد فعل مباشر من الرئيس الأمريكى ترامب برفض تكليف نورى المالكى بتشكيل الحكومة الجديدة فى المرحلة الحالية، وأنه إذا حدث ذلك فإن واشنطن ستوقف جميع مساعداتها للعراق. ورفض المالكى بشدة هذا التدخل الأمريكى فى شئون العراق، والذى يمثل على حد قوله تجاوزًا للديمقراطية فى العراق، مؤكدًا أنه سيستمر فى مهمته للنهاية. ودعا أنصار المالكى إلى دفاع كل القوى السياسية من جميع المكونات عن القرار الوطنى العراقى المستقل، ورفض التدخل الأمريكى والإملاءات الخارجية، وتأكيد أن العراقيين قادرين على تشخيص مصلحة بلدهم وتحديد اختياراتهم وترشيح من يرونه قادرًا على إدارة الدولة.

ودعا ائتلاف النصر بقيادة حيدر العبادى، رئيس الوزراء الأسبق، إلى معالجة الأزمة بعقلانية ومسئولية، والتعامل مع التحديات بما يحفظ الاستقرار، والتحذير من فتح ثغرة تقود العراق إلى مزيد من التعقيد. وأن هذه الاتجاهات المعتدلة داخل الأوساط الشعبية تسعى إلى تفادى تحويل الخلاف إلى مواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية فى ظل وضع اقتصادى وأمنى لا يتحمل صدمات كبيرة.

الخلاصة أن تشكيل الحكومة العراقية الجديدة باعتبارها أعلى سلطة تنفيذية، ما يزال يواجه عدة صعوبات، فإما الخنوع للاعتراض الأمريكى بما يعنيه ذلك من قبول وصاية خارجية على القرارات العراقية. وإما استمرار المالكى فى المضى نحو تشكيل حكومته كما أكد ذلك، ومحاولته اختيار أغلب وزراء حكومته من غير الموالين لإيران أو المرتبطين بالفصائل العراقية المسلحة، تجنبًا للدخول فى مواجهة مع واشنطن، وتجنب ما هدد به ترامب. وكل من الاختيارين أصعب من الآخر.

مساعد وزير الخارجية الأسبق

 

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات