دبلوماسية النفاق والاسترضاء لم تفلح فى ترويض «الجانجستر» الأمريكى - سيد قاسم المصري - بوابة الشروق
السبت 7 فبراير 2026 4:32 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد أزمة إمام عاشور.. ما تقييمك لعقوبة الأهلي؟

دبلوماسية النفاق والاسترضاء لم تفلح فى ترويض «الجانجستر» الأمريكى

نشر فى : الثلاثاء 3 فبراير 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : الثلاثاء 3 فبراير 2026 - 6:50 م

لم تتعلم أوروبا من تجربتها مع هتلر الذى حاولت بكل وسائل النفاق والاسترضاء أن تثنيه عن المضى فى سياساته التوسعية، فبعد قيامه بضم النمسا إلى ألمانيا وسكتت أوروبا أملًا فى التوقف عند هذا الحد قام بابتلاع تشيكوسلوفاكيا، لم تتعلم من الدرس وقامت باستخدام نفس الأساليب مع دونالد ترامب.. فهذا سكرتير عام حلف الأطلنطى يذهب إليه مهرولًا ويناديه «دادى» وهو اللفظ المحبب لكلمة «الأب».. وقبل ذلك قامت مندوبة الدنمارك بإلقاء خطاب شديد اللهجة فى جلسة مجلس الأمن التى عقدت لبحث العدوان الأمريكى على إيران.. وكان خطاب سفيرة الدنمارك كله هجومًا على إيران مطالبة إياها بالالتزام بالقانون الدولى!! وبذل أقصى جهود ضبط النفس.. وفى هذا يقول البروفيسور جيفرى ساكس إنه ذهب إليها بعد إلقاء الخطاب وقال لها: «يا سيدتى إن إيران هى المعتدى عليها والأولى أن نطالب أمريكا بضبط النفس». فنظرت إليه ثم مضت فى طريقها.

منذ ولاية ترامب الأولى وأوروبا تبدى لترامب ـــــ بطريقة تدعو إلى الشفقة ــــ من النفاق والاسترضاء والتأييد فى كل ما يقوم به من تجاهل للقانون الدولى ومن اعتداء صارخ على سيادة الدول المستقلة.. ساندوه فى محاولات زعزعة نظم الحكم فى الدول التى لا ترغب فى الخضوع له وفى محاولات تغيير أنظمة الحكم وساندوه فى ضرب إيران، كما ساندوه عندما قام باختطاف الرئيس الفنزويلى مادورو وقالوا إنه رئيس غير شرعى وأنه يسمح بعمليات تهريب المخدرات إلى أمريكا ويساعد العصابات.. بل ساندوه فى حرب الإبادة التى ارتكبتها إسرائيل فى غزة بمساعدة الولايات المتحدة وذلك من خلال عدم اتخاذ أى إجراء عملى والاكتفاء ببعض البيانات الهزيلة.

لكن عندما استدار إلى أراضيهم مطالبا بضم جزيرة جرينلاند التابعة للدنمارك.. وهدد بأخذها إما بالطريق السهل أو الصعب.. إما حربًا أو بالاتفاق.. صرخت أوروبا.. والقانون الدولى.. وحقوق الدول فى السيادة على أراضيها ووحدتها.. وميثاق الأمم المتحدة.. والصرخة الأوروبية إنما تعنى فى الواقع: إفعل ما تشاء فى المناطق الأخرى ولكن ابتعد عن الأراضى الأوروبية.

• • •

يبدو أن أوروبا حققت مكسبًا فى الجولة الأخيرة فى دافوس، وإن لم تتضح ملامح ما تم الاتفاق عليه أو بحثه فى دافوس.. وإنما المؤكد أن ترامب تراجع عن احتمال استخدام القوة لضم الجزيرة إليه وإنه اضطر لذلك فى مواجهة الموقف الموحد الأوروبى الرافض، خصوصا من جانب الدول الأوروبية الكبرى بما فيها بريطانيا الحليف الأول لأمريكا.. ولكن من الواضح أيضا أن ترامب ازداد حنقًا على أوروبا، وبدا ذلك واضحًا فى خطابه فى دافوس الذى كال فيه الإهانات للأوروبيين واتهمهم بالجحود وعدم الاعتراف بجمائل أمريكا عليهم وأنه «لولا الولايات المتحدة وما قامت به من تضحيات فى سبيل هزيمة ألمانيا النازية لكنتم الآن تتحدثون اللغة الألمانية»، وبعد كل ما قامت به أمريكا من أجلكم تبخلون عليها بقطعة جليد «جرينلاند»، وقال أيضًا إن جرينلاند كانت تحت السيطرة الكاملة لأمريكا بعد الحرب العالمية وإننا أخطأنا عندما انسحبنا منها.

لذلك لا أعتقد أنه سيتراجع تماما عن فكرة الاستيلاء عليها، لأن ترامب يعتقد أن إعادة العظمة لأمريكا «MAGA» تعنى ضم الأراضى والتوسع كما فعل عدد من الرءوساء الأمريكيين السابقيين مثل صفقة لويزيانا الكبرى التى قام بها الرئيس توماس جيفرسون عام 1803 حيث اشترى من فرنسا مساحة ما يقارب من 2 مليون متر مربع بحوالى 15 مليون دولار وضم فلوريدا وانتزاعها من أسبانيا بالحرب، كما ضم تكساس عام 1845 بعد انفصالها عن المكسيك والتوسع بالحرب على حساب الأراضى المكسيكية ( أى ضم كاليفورنيا ونيفادا ونيو مكسيكو.. إلخ)، وشراء ألاسكا من روسيا عام 1867. 

لذلك لا يخطئ أحد الظن بأن السياسة الأمريكية تقوم على المبادئ والقيم، فأمريكا دولة استعمارية بامتياز، قامت على التوسع وضم أراضى الغير بالإبادة الجماعية للسكان الأصليين، ولكن الفارق أن التوسع تم فى القرن التاسع عشر فى عالم بلا قانون دولى ولا حقوق إنسان ولا ميثاق أمم متحدة.. وقد استيقظ العالم على حقيقة مرة وهى أن كل ذلك كان مجرد خدعة كبرى وستار لتحقيق نفس الأهداف بوسائل أخرى وكل ما فعله ترامب أنه أزاح هذا الستار وبدأ اللعب على المكشوف، فترامب يفضل لغة القرن الـ19 ومفهوم العظمة هو الاستحواذ على الأرض والموارد بأى السبل حتى لو تضمن ذلك إبادة السكان الأصليين.

وبعد.. لقد وقعت غزة ضحية تزامن طوفان الأقصى مع ظهور الترامبية وتغول اليمين المتطرف فى أرجاء العالم وسيطرته على الحكم فى إسرائيل فأصبحت غزة هى المؤشر الأكبر على انهيار النظام الدولى.. ومع ذلك، يرى البعض أن ما يقوم به ترامب من هدم للنظام الدولى القائم سيعجل بقيام نظام جديد يقوم على تعدد الأقطاب، بالطبع لن تكون ولادته سهلة بل سيمر العالم بمرحلة قد تكون هى الأخطر تاريخيًا لأن أخطر الفترات هى الفراغ بين نظامين، كما حدث بين الحربين العالميتين.

هذا الفراغ سيزداد بتهميش القوانين الدولية وسيزداد بانطلاق يد القوى الكبرى والإقليمية بلا رقابة ولا محاسبة، خاصة فى منطقتنا حيث ستزداد أطماع إسرائيل وعدوانيتها وتتصاعد كلما تراجع النظام الدولى. فنحن الآن فى مرحلة فترة انتقالية بين نظام آخذ فى الانهيار بلا محالة ونظام جديد مأمول.. وقد تتسبب قوى الردع النووى فى الإسراع بتشكيله لتجنب كارثة كونية لا تبقى ولا تذر.

 

مساعد وزير الخارجية الأسبق

سيد قاسم المصري مساعد وزير الخارجية الأسبق
التعليقات