هل تكفى التكنولوجيا للتقدم؟ - محمد زهران - بوابة الشروق
السبت 7 فبراير 2026 4:31 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد أزمة إمام عاشور.. ما تقييمك لعقوبة الأهلي؟

هل تكفى التكنولوجيا للتقدم؟

نشر فى : الجمعة 6 فبراير 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : الجمعة 6 فبراير 2026 - 6:50 م

هل التكنولوجيا وحدها من مقومات النجاح؟
ما معنى امتلاك التكنولوجيا؟
ماذا بعد امتلاك التكنولوجيا؟


فى هذا الوقت من كل عام تشهد مصر حدثًا هو من أقرب الأحداث إلى قلبى، وهو معرض الكتاب. أحاول دائمًا زيارة المعرض عدة مرات، وأؤجل السفر ما استطعت حتى أقوم بذلك. هذا العام شهد حضورًا كثيفًا من الجمهور، وهذا شىء يسعدنى؛ لأن زيارة معرض الكتاب تعنى أن الشخص يهتم، ولو بقدر بسيط، بالقراءة، والقراءة هى أولى خطوات الثقافة، والثقافة الحقيقية تقود إلى مجتمع علمى، والمجتمع العلمى هو مجتمع قوى متماسك يمتلك العلم والتكنولوجيا. التكنولوجيا هى محور حديثنا اليوم.
هل الدول التى تمتلك التكنولوجيا هى دول ناجحة؟ إجابة هذا السؤال ليست سهلة. لو كان السؤال متعلقًا بالمال لكانت الإجابة أسهل؛ فهناك دول كثيرة فى العالم تمتلك المال، لكنها لا يمكن تصنيفها كدول قوية ناجحة، إلا لو كنا نقصد بالقوة القوة الشرائية. المال، مثله مثل التكنولوجيا، من مقومات النجاح والتقدم، ولكنه ليس الوحيد. ما سنناقشه فى مقال اليوم هو رأى شخصى لكاتب هذه السطور، الغرض منه دفع القارئ الكريم إلى التفكير، وطرح الأسئلة، ومحاولة البحث عن إجابات تتفق وروح العصر الحالى.
يمكننا أن نقول إن التكنولوجيا وحدها لا تصنع دولة قوية ومتقدمة، لماذا؟


• • •
التكنولوجيا ما هى إلا عدسة مكبرة
لا نستطيع أن ننكر أن التكنولوجيا تزيد الإنتاجية فى أغلب المجالات، وتؤدى إلى بناء جيش قوى، وتزيد من القوة الناعمة للدول التى تنتج المنصات والبرمجيات التى تتحكم فيها. من يمتلك تصميم وتصنيع رقائق الكمبيوتر والحاسبات فائقة السرعة يتحكم فى العالم. التكنولوجيا أيضًا تعطى من يمتلكها الأدوات اللازمة لحل الكثير من المشكلات الحياتية مثل الطعام والطاقة والصحة. هذا كله جميل، لكن هل هذا كله يصنع دولة ناجحة؟ أعتقد أن كل هذا لا يكفى.
هناك عدة نقاط قد تلقى الضوء على هذه النقطة:
• خبراء الاقتصاد يقولون لنا إن التكنولوجيا ترفع سقف التوقعات، لكن المؤسسات هى التى تحقق التوقعات؛ فإذا كانت البيروقراطية تقتل التقدم فلن تستطيع التكنولوجيا إنجاز شىء، وإذا كان الفساد منتشرًا فالتكنولوجيا ستجعل الفساد أكثر كفاءة.
•  امتلاك التكنولوجيا شىء، واستخدامها الاستخدام الأمثل شىء آخر. من يستخدم التكنولوجيا هم البشر؛ إذ إن التعليم من أهم ركائز الدول القوية، ويجب أن نعى أنه فى عصرنا هذا، للأسف، أصبحت الشهادة شيئًا والتعليم الجيد شيئًا آخر، وهذا أمر يطول شرحه وقد ناقشنا بعض جوانبه فى مقالات سابقة.
• التكنولوجيا كى تؤتى أُكلها بأفضل ما يمكن، لا بد أن تصل للجميع، الفقير قبل الغنى؛ لأن الفجوة التكنولوجية بين المستويات الاجتماعية ستجعل الفئة التى لن تصلها التكنولوجيا خارج معادلة التقدم وعجلة الإنتاج.
• الاستخدام الأمثل للتكنولوجيا يستلزم وجود سياسة علمية للدول تجمع بين شيئين: استخدام التكنولوجيا فى المجالات ذات الأهمية الاستراتيجية للدول، وتطوير التكنولوجيا حتى لا تصبح الدولة المستهلكة للتكنولوجيا تحت رحمة منتجى التكنولوجيا. وهنا أدعو القارئ الكريم إلى مراجعة مقال كاتب هذه السطور بتاريخ 18 أغسطس 2023 بعنوان «السياسة العلمية للدول».
إذًا يمكننا أن نقول إن التكنولوجيا عدسة مكبرة، إما أن تكبر الإنجازات أو تكبر المشكلات، وقوة الدول تأتى من التكنولوجيا والمؤسسات والإنسان والسياسة العلمية.
لكن ماذا تعنى عبارة «امتلاك التكنولوجيا»؟


• • •
كيف نمتلك التكنولوجيا؟
امتلاك التكنولوجيا مفهوم أعم بكثير من مجرد شرائها. قد تكون الخطوة الأولى هى الشراء، والخطوة الثانية هى استخدامها بكفاءة، والخطوة الثالثة هى استخدامها بطرق مبتكرة، أى بطرق غير التى تم تصنيعها من أجلها، ودُرَّة التاج هى تطوير التكنولوجيا لتتفوق على الجيل الذى تم شراؤه، والقدرة على صيانتها دون الحاجة إلى البائع الأصلى.
طبعًا السيناريو الأفضل هو ابتكار التكنولوجيا منذ البداية، وهذا يستلزم سياسة علمية متوازنة تضع فى اعتبارها الحالة الاقتصادية لكل دولة والأهداف الاستراتيجية لها.


• • •
ما الروشتة؟
من دون التكنولوجيا لا توجد دولة قوية، لكن كما أسلفنا فإن التكنولوجيا وحدها لا تكفى، بل هناك «روشتة» لكل دولة تريد أن تصبح قوية:
• السعى نحو امتلاك التكنولوجيا بالمعنى الذى طرحناه.
• إزالة العوائق البيروقراطية أمام توطين واستخدام التكنولوجيا، سواء فى القطاع الحكومى أو الشركات؛ فالبيروقراطية تقتل أى تقدم محتمل، ومن أسباب تدهور شركة عملاقة مثل آى بى إم، وهى شركة عمرها يفوق المائة عام، أمام شركات أصغر سنًا مثل جوجل وميتا، البيروقراطية.
• الاهتمام بالتعليم الحقيقى، وليس بعدد المتخرجين أو بعدد الحاصلين على شهادات أو بمصروفات الجامعات. المتعلم الحقيقى هو من يستطيع التعامل مع تخصصه بكفاءة ويتطور كلما جد جديد. قد لا نكون مبالغين إذا قلنا إن التعليم أمن قومى؛ فالاستثمار فى البشر قبل الاستثمار فى التكنولوجيا هو الأساس.
• الاهتمام ببناء وتطوير ومتابعة استراتيجية علمية لكل دولة حسب ما يناسبها.
• • •
يجب ألا نغفل أن التكنولوجيا فى النهاية هى أداة، لكنها أداة ذات تأثير كبير على الأحداث التاريخية. من يمتلك التكنولوجيا يمتلك سلاحًا جبارًا، لكن كأيّة أداة تحتاج إلى بوصلة، وهذه البوصلة هى العلوم الإنسانية.

محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات