هل اختلفت أهداف البحث العلمى فى عصرنا عن الماضى؟
هل الدول النامية محتاجة لبحث علمى؟
ما الذى يجب أن يهتم به الباحث فى خطواته الأولى؟
إذا سألت أى شخص عن أهمية البحث العلمى ففى الأغلب الأعم سيقول إن البحث العلمى مهم ونحتاجه لكنه يحتاج تمويلًا وأغلب الدول لا تملك تلك الرفاهية، هذه الإجابة التى تأتى حتى من رجل الشارع العادى تعنى شيئين: ما زلنا نقدر العلم وهذا شىء جيد، وأننا نعتقد أننا لا نقدر على البحث العلمى إذا لم نكن دولة غنية، وهذه النظرة القاصرة هى أحد الأسباب التى دفعتنى لمناقشة هذا الأمر مع القارئ الكريم فى مقالنا اليوم. الأسباب الأخرى التى تقود إلى هذا المقال هو بيان أنواع المشكلات البحثية، وما الذى يجب علينا أن نفعله لدفع قاطرة البحث العلمى.
عنوان المقال يحتوى كلمة «فى عصرنا» وهذا معناه أن هناك اختلافا فى البحث العلمى بين الماضى والحاضر، الاختلاف المقصود ليس فى الموضوعات التى بداهة تختلف مع تقدم العلم، لكن الاختلاف فى أنواع وأهداف البحث العلمى بالإضافة إلى معرفة أعمق بنفسية الباحثين وكيفية تعاملهم مع المشاكل البحثية، وهذا ما نود أن نتطرق إليه ونحن على أعتاب عام جديد نرجو أن يتزين بالعلم والتكنولوجيا وأخلاقيات البحث العلمى.

•••
أهداف البحث العلمى
البحث العلمى يمكن تخيله كمثلث ذى ثلاثة أضلاع: المشكلة البحثية، الباحث، والبيئة التى ينمو فيها البحث العلمى.
المشكلة البحثية يمكن تصنيفها كالآتى:
• مشكلة بحثية تأتى بنتائج على المدى القصير وتحل مشكلة موجودة بالفعل: من أمثلة ذلك تحلية مياه البحار بتكلفة أقل، أو زيادة كفاءة خلايا الطاقة الشمسية، أو تخزين الطاقة ونقلها بكفاءة. مشكلات المياه والطاقة موجودة بالفعل وتحتاج حلولا سريعة.
• مشكلة بحثية تأتى بنتائج على المدى الطويل وتحل مشكلة موجودة بالفعل: مثل الاحتباس الحرارى ومشاكل المناخ والتلوث، هذه المشكلات تحتاج تضافر جهود عدة دول ومؤسسات، بالإضافة إلى بحث علمى مكثف، وبالتالى تأخذ وقتا حتى تثمر، والطبيعة (أى المناخ فى حالتنا هذه) تأخذ وقتا حتى تستجيب، لكن لا أحد ينكر أن هناك مشكلة تبحث عن حل، وإهمالها لا يؤثر علينا فقط لكن على الأجيال القادمة أيضا.
• مشكلة بحثية تأتى بنتائج على المدى القصير وتنبع من الفضول العلمى: هذه مشاكل بحثية تنبع من أسئلة مثل «ماذا يحدث لو؟»، وليس بالضرورة تحل مشكلة موجودة فعلا على الأرض، هذا لا يمنع أن هذه المشاكل البحثية قد تقود إلى حلول لمشاكل ستظهر فى المستقبل، أو حتى تقديم حلول مبتكرة لمشكلات موجودة بالفعل. بعض هذه المشكلات البحثية لا تحتاج وقتا طويلا كى تثمر، مثلا بعض علماء الاجتماع وعلماء النفس يدرسون لماذا تتصرف الجماهير معا بطريقة تختلف عن تصرف كل فرد على حدة، أو لماذا يتصرف الشخص وهو وسط الجماهير بطريقة تختلف عن تصرفه وهو وحده أمام نفس الموقف، الإجابة ليست بالسهولة التى قد تظنها.
• مشكلة بحثية تأتى بنتائج على المدى الطويل وتنبع من الفضول العلمى: وهذه مشكلات قد تعتبرها الكثير من الدول والمؤسسات مجرد «رفاهية» علمية، لأنها تحتاج فى العادة إلى تمويل ضخم ولا يوجد مردود على المدى القصير، ولا تحل مشكلة ملحة، أمثلة ذلك دراسة ما إذا كان الذكاء يمكن أن يوجد فى شكل غير المخ؟ وهل هناك حياة ذكية فى الكون غيرنا؟ إلخ.
هذا عن أنواع المشكلات العلمية، الباحثون أيضا يمكن تصنيفهم إلى نوعين: الباحث الذى يفتح بابا جديدا فى تخصصه أو فى التخصصات البينية، هذا النوع من الباحثين عادة ينشر بدرجة أقل من النوع الثانى الذى سنتحدث عنه، لكن تلك الأبحاث يكون تأثيرها العلمى قويا. النوع الثانى من الباحثين ينتظر فتح هذا الباب، ثم ينطلق فى نشر الكثير من الأبحاث حول تحسين واستخدام هذا الفتح الجديد. النوعان مطلوبان، وكلاهما يحتاجان ذكاء وعملا دءوبًا، لكن الخطأ الذى يقع فيه الكثيرون أن يظنوا أن النوع الأول من الباحثين هو الأكثر عبقرية وهو المرشح الأقرب للحصول على الجوائز العلمية.
الباحث يجب عليه أن يختار المشكلة البحثية تبعا لملكاته وقدراته، أى إن المشكلة البحثية لها شخصية، والباحث أيضا له ملكاته وشخصيته، وبالتالى يجب «توفيق رأسين فى الحلال». إذا اختار الباحث المشكلة البحثية بالأمر، أو رغبة فى الجوائز فقد يختار مشكلة تحتاج قدرات مختلفة عن قدراته (لا نقول أعلى من قدراته، لكن مختلفة) فسيبذل مجهودا كبيرا ولن يصل لما يصبو إليه، وقد يقوده هذا إلى اليأس وقد يترك المجال كله.
هذا يقودنا إلى البيئة التى ينمو فيها البحث العلمى، هذه البيئة تعتمد على السياسة العلمية للدول.

•••
السياسة العلمية للدول
كل دولة سواء متقدمة أو نامية، وسواء كانت غنية أو فقيرة، عليها أن تكون لها سياسة علمية، هذه السياسة العلمية يجب أن تحتوى على أربعة محاور:
• تحديد المشكلات البحثية التى يجب توجيه موارد الدولة لحلها، فى الدول النامية يجب الاهتمام بالنوع الأول من المشكلات البحثية التى ذكرناها أعلاه، أى التى تحل مشكلة على الأرض وتأتى بثمارها على المدى القصير. بعض الموارد القليلة يمكن توجيهها للنوع الثانى من المشكلات البحثية. الدول التى تمتلك موارد أكثر يمكنها الدخول فى النوع الثالث أيضا.
• اكتشاف واحتضان المواهب العلمية منذ وقت مبكر، يكون ذلك عن طريق المسابقات العلمية فى مختلف المراحل السنية، ثم رعاية الموهوبين ومعرفة ملكاتهم لاستخدامها لاحقا فى حل المشكلات البحثية، كل باحث يعمل على المشكلة التى تلائم قدراته وملكاته كما أشرنا سابقا.
• توفير البيئة الصحية للعمل فى البحث العلمى البعيدة عن البيروقراطية القاتلة، والتى تراقب العملية البحثية والنشر العلمى فى المجلات والمؤتمرات المعتبرة مع التزام أعلى درجات النزاهة العلمية، ثم استخدام تلك الأبحاث فى حل المشكلات على الأرض وعدم الاكتفاء بالنشر.
• تحديد شكل التعاون مع المؤسسات البحثية الدولية سواء الجامعات أو معامل الأبحاث فى الشركات: التعاون يجب أن يفيد باحثينا من ناحية المعرفة العلمية وتنمية المهارات، وليس فقط من أجل «المنظرة» أو للحصول على بعض التمويل الخارجى والتمتع بالسفر للخارج.
•••
التكنولوجيا هى ما تضمن قوة الدول، والتكنولوجيا تبدأ بالبحث العلمى، إذا البحث العلمى هو أمن قومى ومن أهم مقومات قوة الدول.
