هل للتكنولوجيا تأثير على الشخص العادى فى المستقبل القريب؟
هل التأثير متعلق فقط «بلقمة العيش»؟
ما دور الشركات الكبرى؟
التكنولوجيا عامة لها تأثير على حياة الناس، سواء كان هذا التأثير من وراء الستار مثل أجهزة الكمبيوتر العملاقة التى تدير مواقع التواصل الاجتماعى أو الخدمات الرقمية مثل دفع الفواتير وما شابه، أو فى الواجهة مثل برمجيات الذكاء الاصطناعى التوليدى مثل (ChatGPT) وأشباهه. لكن هذا التأثير يختلف من شخص إلى آخر، فمدراء الشركات التكنولوجية التى تصنع تلك البرمجيات مثل سام ألتمان مؤسس ومدير شركة (OpenAI) صانعة (ChatGPT) يحصلون على المال والشهرة، والأشخاص العاديون مثلنا يحصلون على بعض المساعدة والتسلية من تلك البرمجيات، لكن هذه نظرة سطحية بعض الشىء.
مقالنا اليوم يحاول النظر بعمق أكثر لتأثير التكنولوجيا على رجل الشارع العادى، وهل هذا التأثير جيد أم سيئ؟ وما العوامل التى تحدد هذا التأثير؟ يجب أن نضع فى اعتبارنا أننا نتكلم عن التكنولوجيا الآن وفى المستقبل القريب، من الصعب جدا التنبؤ بالتكنولوجيا فى المستقبل البعيد لأنها لا تسير فى خط مستقيم، التأثيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد تجعل هذا المسار يتحول إلى خطوط متعرجة، بل ويدخل فى انعطافات حادة لم يتوقعها أحد.
لنعد إلى سؤالنا الأساسى: كيف تؤثر التكنولوجيا على الشخص العادى مثلى ومثلك وليس رجال الأعمال الكبار؟

• • •
أنواع التأثير
التكنولوجيا تؤثر على الأشخاص من ثلاثة أوجه: القدرات، والمقدرات، والخدمات.
• القدرات هى قدراتنا كأشخاص والتى ستتغير وتتبدل نتيجة استخدامنا للتكنولوجيا، فمثلا وجود الانترنت جعلت القدرة على الحفظ تقل كثيرا عند العامة، وقراءة البوستات القصيرة أو الاهتمام بالصور والفيديوهات القصيرة على منصات التواصل الاجتماعى أثرت بشكل سلبى جدا على القدرة على التركيز خاصة عند الأجيال الجديدة التى تعيش مع تلك المنصات منذ الطفولة، بعكس الأجيال الأكبر سنا. القدرات الاجتماعية قلت جدا نتيجة جلوس الناس أمام الشاشات بدلا من الحديث مع بعضهم. يمكن أن تستمر تلك القائمة لتبتلع هذا المقال وعدة مقالات قادمة، لكننا نعطى أمثلة فقط.
• المقدرات هى ما ستئول إليه حياة الشخص مع وجود تلك التكنولوجيا، هناك من سيفقد وظيفته إذا لم يتمكن من اللحاق بركب التقدم، ودعنا نستعير الجملة الشهيرة (التى لا أعرف قائلها لكنى أتفق مع معناها): «أنت لن تفقد وظيفتك للذكاء الاصطناعى، لكنك ستفقد وظيفتك أمام شخص يستطيع استخدام الذكاء الاصطناعى». كلما كانت الوظيفة بسيطة ورتيبة ومتكررة فستختفى، ونرى بداية ذلك فى وظائف المبرمجين البسيطة (entry level) وأغلب وظائف السكرتارية من تلخيص الاجتماعات وإرسال الايميلات وما شابه. فإذا كنت تعمل فى وظيفة من تلك الوظائف عليك أن ترى أو تخلق لنفسك الوظيفة الأعلى منها فى نفس التخصص، فإذا كنت مبرمجا مبتدئا عليك تعلم كيفية استخدام الذكاء الاصطناعى لتوليد البرمجيات، وكيفية تحليل تلك البرمجيات المتولدة لتصحيح الأخطاء واختبارها. هناك وظائف ستختفى وأخرى ستظهر، لكن سرعة الاختفاء عادة أسرع من سرعة الظهور، خاصة وأن عدد الوظائف البسيطة أكثر من عدد الوظائف الأكثر تقدما.
• الخدمات وهى أكثر ما سيؤثر على حياة الشخص العادى، وهو تأثير إيجابى فى الأغلب ما لم يكن «السيستم واقع». يمكنك الآن الاستعلام عن فواتير تليفونك والكهرباء والغاز ودفعهم وانت جالس فى مكانك، ناهيك عن الخدمات الحكومية الأخرى التى أصبحت أسهل مع وجود تكنولوجيا الرقمنة والذكاء الاصطناعى والحاسبات فائقة السرعة.
نستطيع أن نرى مما سبق أن التأثيرات السلبية للتكنولوجيا تتمثل فى القدرات التى ستضمر والوظائف التى ستختفى، فكيف نتصرف مع تلك السلبيات؟

• • •
كيف نحمى رجل الشارع من الهجمات التكنولوجية؟
هناك بعض الوظائف لن تختفى بسهولة إلا بعد وقت ليس بالقصير، مثلا فى عملية تنظيف الشوارع لن يتم استبدال الطرق الحالية المكونة من العنصر البشرى بأجهزة الروبوت فى المستقبل القريب، خاصة فى الدول النامية، لكن وظائف بعض المبرمجين وأعمال السكرتارية ستختفى. هذا قد يبدو غريبا لكن بعض الوظائف التى تحتاج مجهودا عضليا متوسطا قد تبقى مدة أطول خاصة لو كان استبدالها يحتاج ميزانيات ليست بالقليلة، لكن الوظائف التى تحتاج مجهودات عقلية قليلة أو متوسطة وتكون رتيبة ومتكررة كما أسلفنا هى المهددة فى القريب العاجل.
لذلك فعلينا عمل قوائم بالوظائف التى ستختفى فى القريب العاجل وتلك التى ستأخذ بعض الوقت، ثم تحضير من سيخسر وظائفه سريعا لوظيفة بديلة عن طريق التدريب والتوعية.
السؤال الأصعب هو القدرات التى ستضمر وماذا سيحدث؟ هذا يحتاج مساعدة من علماء النفس وعلماء الاجتماع للإجابة عن الآتى: ما القدرات التى ستقوى عند استخدام التكنولوجيا المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعى؟ لا أملك جوابا شافيا لكنى أستطيع أن أذكر بعض القدرات التى ستقوى مثل سرعة تعلم المهارات الجديدة والقدرة على ربط المعلومات ببعضها.
تحدثنا عن الشخص العادى وتعاطيه مع التكنولوجيا، لكن ماذا عن الشركات صانعة التكنولوجيا؟

• • •
همسة فى أذن الشركات الكبرى
أخطار التكنولوجيا لا تظهر فقط من استخدام الناس لها، لكن تتضخم نتيجة بعض ممارسات الشركات الكبرى، أمثلة على تلك الممارسات هى النزول إلى السوق بمنتجات تكنولوجية لم تنضج بعد حتى لا تترك الملعب للمنافسين، هذه الممارسة ليست بأفضل شىء، وتاريخ التكنولوجيا يقول لنا إن هناك شركات كثيرة صنعت مشغلات الأغانى (mp3 player) قبل شركة آبل، لكن الأيبود الذى أنتجته آبل اكتسح السوق.
استخدام التكنولوجيا كموضة حتى يقال إننا نستخدمها هى إحدى الممارسات السيئة خاصة من بعض الشركات الناشئة، ويكون نتيجة ذلك فقدان بعض الوظائف دون الحصول على بديل أكثر كفاءة، أو تكون التكنولوجيا سببا فى الإضرار بالشركة وبالتالى الموظفين.
• • •
التكنولوجيا تؤثر على حياة الناس، كل الناس، لكن نفس التكنولوجيا قد يكون تأثيرها إيجابيا على البعض، وسلبيا على البعض الآخر، ما لم نتخذ التدابير اللازمة... يجب أن يكون هناك خبراء يدرسون تأثير التكنولوجيات الجديدة على حياة الأفراد والشعوب.