بين الوساطة والدبلوماسية الوقائية.. أدوار مصر لاحتواء الصراع الأمريكى-الإيرانى - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
السبت 14 فبراير 2026 10:41 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

بين الوساطة والدبلوماسية الوقائية.. أدوار مصر لاحتواء الصراع الأمريكى-الإيرانى

نشر فى : الجمعة 13 فبراير 2026 - 6:05 م | آخر تحديث : الجمعة 13 فبراير 2026 - 6:05 م

تجد مصر نفسها مرة أخرى أمام لحظة إقليمية فارقة تتقاطع فيها احتمالات الانفراج الدبلوماسى مع مخاطر الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران. وبينما تتصاعد نبرات الردع المتبادل وتتكاثر ساحات الاشتباك غير المباشر من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن، يظل السؤال الملح: كيف يمكن للقاهرة أن توظف ما لها من رصيد سياسى وتاريخى ودبلوماسى للحيلولة دون تفجر الصراع، وكيف تتصرف إن أخفقت الوساطات وانفجرت الحرب؟


المدخل الواقعى لأى تفكير مصرى جاد يبدأ بالاعتراف بأن قدرة القاهرة على التأثير ليست مطلقة، لكنها أيضًا ليست هامشية. مصر لا تملك أدوات الضغط الاقتصادى أو العسكرى التى تملكها قوى كبرى، لكنها تملك شيئًا مختلفًا: شبكة علاقات متوازنة نسبيًا، وخبرة طويلة فى إدارة الصراعات المعقدة، وموقعًا جغرافيًا يتحكم فى شريان ملاحى حيوى، ووزنًا عربيًا يُستدعى دومًا فى اللحظات الحرجة. الوساطة المصرية ينبغى أن تُبنى على هذا المزيج من الواقعية والطموح ذى السقف المحدد.


الخطوة الأولى تقتضى تثبيت قنوات اتصال دائمة ومؤسسية مع واشنطن وطهران فى آن واحد، لا بوصفها قنوات طارئة تُفتح عند الأزمات ثم تُغلق، بل باعتبارها مسارًا موازيًا ومستقرًا للحوار. القاهرة تحتفظ بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، ولديها فى الوقت ذاته قنوات دبلوماسية مع إيران تتطور فى الفترة الراهنة. تقوية هذه القنوات يتطلب إرادة سياسية واضحة فى عدم الانحياز المسبق، وفى تجنب تحويل الوساطة إلى أداة لتحسين شروط طرف على حساب آخر. نجاح الوسيط مرهون بثقة الأطراف فى حياده النسبى، لا فى قربه من هذا أو ذاك. وهذا أمر تجيد الدبلوماسية المصرية فعله.


غير أن الوساطة الثنائية المباشرة قد لا تكفى فى ظل تشابك الملفات. الصراع بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد محصورًا فى البرنامج النووى، بل امتد إلى الصواريخ الباليستية، والسياسات الإقليمية، وشبكات الحلفاء المحليين لإيران فى دول عربية مختلفة. هنا تبرز أهمية إشراك أطراف عربية وإقليمية أخرى، ليس لتوسيع دائرة الخلاف، بل لتوسيع دائرة الضمانات. يمكن لمصر أن تعمل على بلورة إطار حوار إقليمى غير رسمى يضم، إلى جانب الولايات المتحدة وإيران، دولًا عربية مؤثرة كالسعودية والإمارات وقطر، إضافة إلى تركيا، وربما بغطاء أوروبى داعم. الفكرة ليست فى إنشاء تحالف جديد، بل فى بناء منصة لخفض التصعيد وتبادل الرسائل وتنسيق الخطوات المرحلية.


الدبلوماسية المصرية قادرة على طرح مقاربة تدريجية تقوم على "خطوات مقابل خطوات": تخفيف محدود ومدروس للعقوبات مقابل التزامات إيرانية قابلة للتحقق، تجميد بعض الأنشطة المثيرة للقلق مقابل ضبط سلوكيات إقليمية محددة، وفتح مسارات إنسانية واقتصادية لا تُفسَّر بوصفها تنازلا سياسيا كاملا. مثل هذه المقاربة لا تحل الصراع جذريا، لكنها تشترى الوقت وتمنع الانفجار، وهو هدف واقعى فى هذه المرحلة.


فى هذا السياق، ينبغى على القاهرة أن تستثمر فى التنسيق الوثيق مع العواصم الخليجية. فالتوتر الأمريكي الإيرانى غالبا ما يُترجم إلى تهديد مباشر لأمن الخليج. وإذا شعرت دول الخليج بأن أى حوار يجرى فوق رؤوسها أو على حساب مصالحها، فإنها ستعرقل المسار أو تبحث عن ضمانات أمنية بديلة تزيد الاستقطاب. مصر يمكنها أن تلعب دور الجسر، مستفيدة من علاقاتها الاستراتيجية مع الرياض وأبو ظبى، ومن علاقاتها التى تعافت مع الدوحة، لتقريب وجهات النظر وصياغة تصور عربى مشترك يدعم خفض التصعيد بدلا من الدفع نحو المواجهة.


• • •
لكن الوساطة ليست مجرد إدارة قنوات سياسية؛ إنها أيضا إدارة خطاب. فى بيئة إقليمية تتغذى على الاستقطاب الأيديولوجى والطائفى، يمكن للخطاب المصرى الرسمى أن يتجنب لغة التحريض ويرفض الطائفية وأن يركز على كلفة الحرب على شعوب المنطقة، وعلى ضرورة إعلاء منطق القانون الدولى وأمن الملاحة وحرمة السيادة. مصر، بحكم تاريخها وموقعها الجغرافى وثقلها الثقافى وإمكاناتها المؤسسية، قادرة على التأثير فى المجال العام العربى من خلال خطاب عقلانى يوازن بين رفض التدخلات الإقليمية المزعزعة للاستقرار ورفض المغامرات العسكرية الكبرى.


غير أن السياسة الرشيدة لا تكتفى بالرهان على نجاح الوساطة. السؤال الأصعب يتعلق بكيفية تصرف صانع القرار المصرى إذا نشبت الحرب رغم كل الجهود. هنا تتقدم اعتبارات الأمن القومى المباشر على ما سواها. أولى هذه الاعتبارات هى حماية الممرات الملاحية، وفى مقدمتها قناة السويس. أى مواجهة عسكرية واسعة قد تؤدى إلى تهديد الملاحة فى الخليج أو فى باب المندب والبحر الأحمر، ما سينعكس على حركة التجارة العالمية وعلى عائدات القناة. على القاهرة أن ترفع درجة التنسيق الأمنى مع الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وأن تعزز جاهزية قواتها البحرية، دون الانخراط فى عمليات هجومية تتجاوز حدود الدفاع المشروع عن الممرات الحيوية.


الاعتبار الثانى يتعلق بالاقتصاد. الحرب بين الولايات المتحدة وإيران ستؤدى على الأرجح إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط، وهو ما ينعكس على معدلات التضخم والميزانية العامة. على صانع القرار أن يفعّل خططًا احترازية لتأمين احتياجات الطاقة والسلع الأساسية، وأن يوسع هامش المناورة المالية بالتنسيق مع الشركاء الدوليين والإقليميين. إدارة الأزمات الاقتصادية لا تقل أهمية عن إدارة المواقف السياسية.


الاعتبار الثالث هو منع تحول الساحات العربية إلى ميادين حرب بالوكالة. مصر ليست معنية بالانخراط فى اصطفاف عسكرى مباشر ضد إيران، كما أنها ليست معنية بتوفير غطاء سياسى لتوسيع نفوذ إيران الإقليمى. المصلحة المصرية تكمن فى احتواء الصراع ومنع امتداده إلى دول عربية هشة قد يؤدى انهيارها إلى موجات جديدة من الفوضى والهجرة والإرهاب. لذلك ينبغى للقاهرة أن تستخدم ما لديها من علاقات للتأكيد على ضرورة تحييد الأراضى العربية قدر الإمكان، والضغط فى اتجاه وقف إطلاق نار مبكر إذا اندلعت المواجهة.


• • •
فى حال تصاعدت الحرب إلى مستوى إقليمى واسع، قد تتعرض مصر لضغوط لاتخاذ مواقف أكثر حدة أو للمشاركة فى ترتيبات عسكرية معينة. هنا يتعين على صانع القرار أن يوازن بدقة بين الالتزامات الاستراتيجية والمصلحة الوطنية المباشرة وأن يتوخى الحذر من خلال سياسة "الانخراط المحدود": دعم الجهود الدولية لاحتواء التصعيد، المشاركة فى حماية الممرات البحرية إذا لزم الأمر، مع تجنب أى دور هجومى أو توسعى.


وفى كل الأحوال، يجب أن يبقى الهدف النهائى هو العودة إلى المسار الدبلوماسى. حتى فى ذروة الحرب، يمكن للوسيط أن يحتفظ بقنوات خلفية تمهد لوقف إطلاق النار. ولأن القاهرة قد استثمرت مسبقا فى بناء علاقات استراتيجية مستقرة مع واشنطن وفى بناء الثقة مع طهران، فإن قدرتها على لعب هذا الدور حاضرة وحيوية.


التحليل الهادئ يقود إلى نتيجة أساسية: مصلحة مصر الاستراتيجية تكمن فى منع الحرب لا فى إدارة نتائجها فقط. فالمنطقة لم تعد تحتمل جولة جديدة من التفكك، والاقتصاد الإقليمى والعالمى المرهق لن يتحمل صدمة كبرى أخرى، والدول العربية التى تواجه صراعات داخلية عديدة فى المشرق لن تخرج من مواجهة أمريكية-إيرانية إلا أكثر هشاشة.


لذلك فإن استثمار القاهرة فى الدبلوماسية الوقائية، وفى بناء تحالفات خفض التصعيد، وفى طرح مبادرات تدريجية واقعية، ليس ترفًا سياسيًا بل ضرورة أمن قومى.


ربما لا تنجح الوساطات، وربما تتغلب حسابات الردع والهيبة على صوت العقل. لكن التاريخ يعلمنا أن الدول التى تحافظ على استقلال قرارها، وتتمسك بخيط الحوار حتى فى أحلك اللحظات، هى الأقدر على حماية مصالحها وعلى استعادة دورها عندما تنقشع سحب الحرب.


ومصر، بحسن قراءة اللحظة والحساب الواقعى لقدراتها، تستطيع أن تظل طرفًا فاعلًا فى معادلة إقليمية شديدة الاضطراب، لا باعتبارها قوة تفرض إرادتها بل باعتبارها دولة تسعى إلى عقلنة الصراعات واحتوائها وتقليص كلفتها على الجميع.

أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى

 

عمرو حمزاوي أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي
التعليقات