٢٠٢٦.. عام أوروبا الصعب - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
الجمعة 2 يناير 2026 7:30 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من ترشح لخلافة أحمد عبدالرؤوف في تدريب الزمالك؟

٢٠٢٦.. عام أوروبا الصعب

نشر فى : الجمعة 2 يناير 2026 - 6:15 م | آخر تحديث : الجمعة 2 يناير 2026 - 6:15 م

يدخل العام الجديد وأوروبا مثقلة بأسئلة كبرى لم تعد مؤجلة ولا قابلة للإدارة بالمسكنات السياسية المعتادة. فالقارة التى اعتادت، منذ نهاية الحرب الباردة، أن تتحرك داخل فضاء من الاستقرار النسبى واليقين الاستراتيجى، تجد نفسها اليوم أمام تقاطع ثلاث أزمات متداخلة: صعود غير مسبوق لليمين المتطرف فى الداخل، حرب روسية - أوكرانية مستمرة تستنزف الموارد وتعيد تعريف الأمن الأوروبى، وتراجع واضح فى مكانة أوروبا داخل الحسابات الاستراتيجية للولايات المتحدة، التى لم تعد تنظر إلى القارة بوصفها شريكًا متكافئًا بقدر ما تراها عبئًا أو ساحة ثانوية فى صراعها مع قوى أخرى.
التحدى الداخلى الأول يتمثل فى التحول العميق فى المزاج السياسى الأوروبى. فصعود اليمين المتطرف لم يعد ظاهرة احتجاجية عابرة أو تعبيرًا عن غضب اجتماعى محدود، بل أصبح قوة سياسية منظمة، قادرة على الفوز فى الانتخابات، أو على الأقل على فرض أجندتها على الأحزاب التقليدية. ويرتبط هذا الصعود بعوامل بنيوية: القلق من الهجرة، تآكل دولة الرفاه، الشعور بفقدان السيادة الوطنية لصالح مؤسسات فوق قومية، والخوف من التحولات الثقافية والديموغرافية. غير أن الأخطر هو أن اليمين المتطرف لا يكتفى بانتقاد سياسات بعينها، بل يشكك فى الأسس الليبرالية التى قامت عليها التجربة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، بما فى ذلك التعددية، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام.
هذا التحول يضع الاتحاد الأوروبى أمام معضلة وجودية. فمن جهة، لا يستطيع تجاهل اختيارات الناخبين أو التعامل معها باعتبارها انحرافًا مؤقتًا، ومن جهة أخرى، فإن استيعاب قوى تتبنى نزعات قومية وانعزالية ومعادية لفكرة التكامل الأوروبى يهدد بتفكيك المشروع من الداخل. وقد أصبح واضحًا أن أدوات الضغط القانونية والمؤسسية التى استخدمها الاتحاد فى مواجهة بعض الحكومات لم تحقق نتائج حاسمة، بل غذّت أحيانًا خطاب المظلومية القومية الذى يتغذى عليه اليمين المتطرف.
• • •
فى الوقت نفسه، تستمر الحرب الروسية - الأوكرانية بوصفها التحدى الأمنى الأشد خطورة لأوروبا منذ عقود. فالحرب لم تعد مجرد نزاع إقليمى على حدود الاتحاد، بل تحولت إلى حرب استنزاف طويلة المدى تعيد رسم خرائط القوة، وتفرض على الدول الأوروبية إنفاقًا عسكريًا متزايدًا فى لحظة تعانى فيها اقتصاداتها من تباطؤ وتضخم وضغوط اجتماعية متصاعدة. كما كشفت الحرب عن حدود القدرات الأوروبية الذاتية، وعن اعتماد مفرط على الولايات المتحدة فى مجالات الاستخبارات والتسليح والردع الاستراتيجى.
الأهم من ذلك أن الحرب عمّقت الانقسامات داخل أوروبا نفسها. فبين دول ترى فى دعم أوكرانيا مسألة وجودية مرتبطة بأمنها القومى المباشر، وأخرى تنظر إلى الحرب من زاوية كلفتها الاقتصادية والاجتماعية، تتآكل وحدة الموقف الأوروبى تدريجيًا. كما أن استمرار الحرب دون أفق سياسى واضح يضعف قدرة الحكومات الأوروبية على الحفاظ على إجماع شعبى داعم، ويمنح القوى الشعبوية واليمينية المتطرفة فرصة لربط الحرب بتراجع مستويات المعيشة، وتصويرها كخيار فرضته نخب منفصلة عن هموم المواطنين.
أما التحدى الثالث، وربما الأكثر تعقيدًا، فيتعلق بتحول نظرة الولايات المتحدة إلى أوروبا. فواشنطن، التى كانت ترى فى القارة الأوروبية شريكًا استراتيجيًا مركزيًا فى إدارة النظام الدولى، باتت تنظر إليها اليوم باعتبارها ساحة يجب ضبطها لا قيادتها، ومصدرًا للمشكلات أكثر منها رافعة للقوة. ويعكس تركيز الولايات المتحدة المتزايد على التنافس مع الصين، واعتمادها المتصاعد على أدوات اقتصادية وحمائية لتحقيق مصالحها، أولويات جديدة لا تحتل فيها أوروبا الموقع الذى اعتادت عليه.
هذا التحول لا يعنى انسحابًا أمريكيًا كاملًا من أوروبا، لكنه يعنى نهاية مرحلة تاريخية كان فيها الافتراض السائد أن المظلة الأمريكية مضمونة وغير مشروطة. فالدعوات المتكررة داخل الولايات المتحدة لتحميل الأوروبيين مسئولية أكبر عن أمنهم، والتهديدات الضمنية بإعادة النظر فى الالتزامات الدفاعية، تكشف عن علاقة آخذة فى التحول من شراكة قائمة على القيم والمصالح المشتركة إلى علاقة أكثر براغماتية تحكمها حسابات الكلفة والعائد.
• • •
فى مواجهة هذه التحديات الثلاثة، تجد أوروبا نفسها مطالبة بإعادة تعريف ذاتها. فالسؤال لم يعد فقط كيف تدير أزماتها، بل أى نوع من الفاعلين تريد أن تكون فى عالم يتجه بسرعة نحو التعددية القطبية، وتغيب عنه اليقينات القديمة. هل تستطيع أوروبا بناء قدرة استراتيجية مستقلة دون الوقوع فى أوهام الاستقلال الكامل عن الولايات المتحدة؟ وهل يمكنها تحقيق توازن بين احترام إرادة الناخبين ومقاومة الانجراف نحو تقويض الأسس الليبرالية؟ وهل تملك الإرادة السياسية لتحويل الحرب فى أوكرانيا من عبء استنزافى إلى حافز لإعادة بناء منظومة أمنية أوروبية أكثر تماسكًا؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ليست سهلة، ولا يمكن اختزالها فى حلول تقنية أو مؤسسية. فالتحدى فى جوهره سياسى وفكرى. وأوروبا مطالبة باستعادة الثقة فى مشروعها، ليس بوصفه أداة لإدارة السوق أو تنظيم العملة، بل باعتباره إطارًا لحماية نمط حياة وقيم مهددة. كما أنها مطالبة بالاعتراف بأن مرحلة الاتكال الاستراتيجى قد انتهت، وأن بناء قوة أوروبية ذاتية لا يعنى القطيعة مع الولايات المتحدة، بل إعادة التوازن فى العلاقة معها.
العام الجديد لن يكون عام الحسم، لكنه قد يكون عام الاختبار. فإما أن تنجح أوروبا فى تحويل أزماتها المتداخلة إلى فرصة لإعادة البناء، أو أن تستمر فى إدارة التراجع، مكتفية بردود فعل جزئية على تحديات بنيوية. وفى عالم يتغير بسرعة، لا يبدو أن هناك رفاهية الوقت أو هامش الخطأ الذى اعتادت عليه القارة لعقود طويلة.


أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى

عمرو حمزاوي أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي
التعليقات