تثير المقارنة بين فترة ما بين الحربين العالميتين والفترة الراهنة اهتمامًا متزايدًا فى أوساط الباحثين وصناع القرار، ليس بدافع الترف الأكاديمى، بل لأن تشابه السياقين يكشف عن أنماط متكررة فى سلوك القوى الكبرى، وفى هشاشة النظام الدولى عندما تفقد قواعده شرعيتها أو قدرتها على الضبط. فكما شهد العالم فى عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضى تآكلًا تدريجيًا لقواعد القانون الدولى، وصعودًا محمومًا لمنطق القوة ومناطق النفوذ، يعيش النظام الدولى اليوم لحظة اضطراب عميق تتقاطع فيها انتهاكات القانون الدولى مع احتدام التنافس بين القوى الكبرى، فى ظل مساعٍ حذرة من قوى وسيطة ودول صغيرة للبحث عن صيغ جماعية تحمى أمنها ومصالحها وتحد من اندفاع الكبار.
فى مرحلة ما بين الحربين، وُلد نظام دولى مثقل بالتناقضات. فقد خرجت أوروبا من الحرب العالمية الأولى منهكة، فيما فُرضت تسويات سياسية واقتصادية حملت فى طياتها بذور عدم الاستقرار. عُدت عصبة الأمم آنذاك تجسيدًا لطموح عالمى فى منع تكرار الحرب، لكنها افتقرت إلى أدوات الردع وإلى الإجماع السياسى اللازم لتطبيق مبادئها. لم يكن القانون الدولى غائبًا، بل كان حاضرًا نظريًا، إلا أن انتهاكه لم يُقابل بعقاب فعال، ما شجع قوى صاعدة على اختبار حدود النظام.
اليوم، يبدو المشهد مألوفًا على نحو مقلق: مؤسسات دولية قائمة، ونصوص قانونية واضحة، لكن الإرادة السياسية لتطبيقها انتقائية، تخضع لحسابات القوة والمصلحة.
أحد أوجه الشبه المركزية يتمثل فى تآكل الثقة فى النظام القائم. ففى الثلاثينيات، أدى عجز عصبة الأمم عن منع العدوان فى منشوريا وإثيوبيا وأوروبا الوسطى إلى تقويض الإيمان بجدوى الأمن الجماعى. وفى اللحظة الراهنة، تتعرض منظومة الأمم المتحدة والقانون الدولى الإنسانى لضغوط غير مسبوقة، مع عجز واضح عن منع الحروب أو محاسبة منتهكى القواعد الأساسية. هذا العجز لا يقتصر على حالات بعينها، بل يتحول إلى نمط يرسل رسالة خطيرة مفادها أن القوة، لا القانون، هى الحكم النهائى فى العلاقات الدولية.
التنافس بين القوى الكبرى يشكل بدوره محورًا مشتركًا بين المرحلتين. ففى ما بين الحربين، سعت قوى مراجعة للنظام القائم إلى إعادة رسم خريطة النفوذ العالمى، مدفوعة بشعور بالظلم أو الطموح الإمبراطورى. أما اليوم، فيتخذ التنافس بين الولايات المتحدة والصين، ومعهما روسيا وقوى أخرى، طابعًا متعدد الأبعاد يشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ العسكرى والسياسى. وكما كان الحال سابقًا، لا يقتصر هذا التنافس على صدام مباشر، بل يمتد إلى حروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، واستخدام أدوات غير عسكرية لإعادة ترتيب موازين القوة.
غير أن الفارق الجوهرى يكمن فى طبيعة الترابط العالمى. ففى الثلاثينيات، لم يكن الاقتصاد العالمى متشابكًا بالدرجة التى نعرفها اليوم، ما جعل الانسحاب إلى سياسات الحماية الاقتصادية خيارًا سهلًا نسبيًا، لكنه كارثى النتائج. فى الحاضر، ورغم عمق التشابك الاقتصادى، نشهد عودة تدريجية لمنطق التكتلات، وسعى القوى الكبرى إلى تأمين سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد المتبادل. هذا التحول يعكس، كما فى الماضى، تراجع الثقة فى العولمة كإطار يضمن الاستقرار، وصعودًا لمنطق المنافسة الصفرية.
فى كلا المرحلتين، دفعت حالة الاستقطاب الحاد القوى الوسيطة والدول الصغيرة إلى البحث عن بدائل. ففى ما بين الحربين، حاولت دول مثل دول الشمال الأوروبى أو بعض دول أوروبا الوسطى تطوير صيغ حياد أو تعاون إقليمى لحماية نفسها من صراعات الكبار، لكنها اصطدمت بحدود قدرتها الذاتية وبغياب مظلة دولية فعالة. اليوم، تعود هذه الدول لتلعب دورًا مشابهًا، وإن بأدوات أكثر تنوعًا. فالقوى الوسيطة تسعى إلى تعزيز العمل متعدد الأطراف، وإلى بناء شبكات تعاون إقليمى، وإلى تنويع شراكاتها بدل الارتهان لقوة واحدة.
تتجلى هذه الدينامية فى مبادرات جماعية تهدف إلى كبح جماح القوى الكبرى، أو على الأقل تقليل كلفة التنافس عليها. فالدول الصغيرة والمتوسطة تدرك أن غياب القانون الدولى أو تسييسه يهدد وجودها قبل أن يهدد الكبار. ومن هنا تنبع محاولاتها لإحياء فكرة الأمن الجماعى، ليس بوصفها مثالية أخلاقية، بل كضرورة براجماتية. هذا السعى يعيد إلى الأذهان محاولات ما بين الحربين، لكنه يستفيد اليوم من دروس الفشل السابق، ومن إدراك أعمق لأهمية المرونة وبناء التحالفات العابرة للأقاليم.
فى الوقت نفسه، تكشف المقارنة عن خطر حقيقى يتمثل فى التطبيع مع الانتهاكات. ففى الثلاثينيات، أدى التساهل مع خرق القواعد إلى تشجيع مزيد من التصعيد، وصولًا إلى حرب شاملة. واليوم، يلوح خطر مشابه إذا استمر التعامل مع انتهاكات القانون الدولى بوصفها أمرًا واقعًا لا يمكن تغييره. فكل سابقة تمر من دون محاسبة تضعف النظام برمته، وتغرى فاعلين آخرين بالسير فى الاتجاه ذاته.
ومع ذلك، لا ينبغى أن تقود المقارنة إلى استنتاج حتمى بالتكرار. فالعالم الراهن يمتلك من أدوات التواصل والضغط والرأى العام العالمى ما لم يكن متاحًا فى فترة ما بين الحربين. كما أن الذاكرة التاريخية للحرب الشاملة لا تزال حاضرة، حتى وإن تآكل تأثيرها مع تعاقب الأجيال. هذه العوامل تفتح نافذة، وإن كانت ضيقة، أمام القوى الوسيطة والدول الصغيرة لتعزيز دورها، والدفع نحو صيغ جديدة من التعددية، أكثر واقعية وأقل ادعاء، لكنها أكثر قابلية للاستمرار.
فى المحصلة، تكشف أوجه الشبه بين فترة ما بين الحربين والفترة الراهنة عن هشاشة النظام الدولى عندما تفقد قواعده الإجماع والقدرة على الإلزام. كما تبرز أهمية الدور الذى يمكن أن تلعبه القوى الوسيطة والدول الصغيرة، ليس فى مواجهة القوى الكبرى مباشرة، بل فى بناء مساحات تعاون وضغط جماعى تذكر بأن الاستقرار الدولى ليس مصلحة أخلاقية فحسب، بل شرطًا لبقاء الجميع.
التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يحذر، ومن يتجاهل التحذير يغامر بدفع ثمن مضاعف فى عالم أكثر ترابطًا، وأكثر عرضة لانفجارات كبرى.
- أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى