دافوس وميونيخ أو عن بحث القوى الوسيطة عن دور فى عالم اليوم - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
السبت 21 فبراير 2026 12:30 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

دافوس وميونيخ أو عن بحث القوى الوسيطة عن دور فى عالم اليوم

نشر فى : الجمعة 20 فبراير 2026 - 7:00 م | آخر تحديث : الجمعة 20 فبراير 2026 - 7:00 م

فى لحظة دولية يتزايد فيها منسوب القلق وتتعمق فيها حالة عدم اليقين، لم يعد المشهد العالمى محكومًا بثنائية صلبة بين قوى كبرى تصوغ القواعد وأخرى صغرى تنصاع لها. بين هذين المستويين تتحرك قوى وسيطة بات حضورها أكثر وضوحًا وتأثيرها أكثر تعقيدًا. هذه القوى لا تملك فائض القوة العسكرية الذى يسمح لها بفرض الإرادات، ولا تقبل فى الوقت ذاته بأن تكون مجرد ساحات لتنافس الآخرين. ومن ثمّ، فإنها تسعى إلى توظيف ما لديها من موارد دبلوماسية واقتصادية ومعنوية للحد من التوترات، وصياغة مسارات تفاوضية، وتخفيف حدة الاستقطاب الذى يطبع العلاقات الدولية المعاصرة.
ضمن هذا السياق جاءت الكلمة التى ألقاها رئيس الوزراء الكندى مارك كارنى فى المنتدى الاقتصادى العالمى فى دافوس بوصفها تعبيرًا عن رؤية قوة وسيطة تحاول إعادة تعريف موقعها ووظيفتها فى عالم مضطرب. لم تكن الكلمة مجرد عرض لسياسات اقتصادية أو بيئية، بل حملت مضامين سياسية واضحة تتصل بضرورة الدفاع عن التعددية، وإعادة بناء الثقة بين الدول، والتمسك بقواعد النظام الدولى فى مواجهة نزعات الانكفاء القومى وسياسات القوة الخشنة.
تدرك كندا، كما تدرك قوى وسيطة أخرى فى أوروبا وإفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، أن تراجع الثقة فى المؤسسات متعددة الأطراف وتزايد النزاعات الإقليمية يهددان مصالحها المباشرة. فهى اقتصادات منفتحة تعتمد على استقرار سلاسل الإمداد، وعلى قواعد تجارية يمكن التنبؤ بها، وعلى بيئة أمنية لا تنزلق إلى مواجهات كبرى. ومن ثمّ، فإن الدفاع عن النظام الدولى القائم على القواعد ليس ترفًا أخلاقيًا، بل هو ضرورة استراتيجية. هذا الإدراك كان حاضرًا بقوة فى خطاب كارنى، الذى شدد على أن مواجهة التحديات العالمية ــ من تغير المناخ إلى الاضطرابات الجيوسياسية ـ لا يمكن أن تتم عبر سياسات أحادية أو صفقات ظرفية، بل عبر تعاون مؤسسى طويل الأمد.
القوى الوسيطة، بحكم موقعها بين الكبار والصغار، تمتلك قدرة نسبية على لعب أدوار الوساطة وبناء الجسور. فهى غالبًا ما تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع أطراف متخاصمة، وتستطيع أن تقدم نفسها باعتبارها أقل تهديدًا من القوى العظمى. كما أنها تميل إلى الاستثمار فى الدبلوماسية الوقائية، وفى مبادرات بناء الثقة، وفى دعم أطر الأمن الجماعى. غير أن فعاليتها تبقى رهينة بمدى قدرتها على التنسيق فيما بينها، وعلى تحويل التزاماتها الخطابية إلى سياسات عملية.
فى كلمته فى دافوس، حاول رئيس الوزراء الكندى الربط بين الاستقرار الاقتصادى والاستقرار السياسى، مؤكدًا أن اضطراب الأسواق وتفكك سلاسل التوريد ليسا مجرد ظواهر تقنية، بل هما انعكاس لتوترات أعمق فى بنية النظام الدولى. هذا الربط، وهو أمر أشار إليه أيضًا المستشار الألمانى فى كلمته أمام مؤتمر ميونيخ للأمن، يعكس وعيًا متزايدًا لدى القوى الوسيطة بأن الاقتصاد لم يعد مجالًا منفصلًا عن الجغرافيا السياسية، وأن حماية الانفتاح الاقتصادى تتطلب معالجة مصادر الصراع، وليس فقط إدارة نتائجه. ومن هنا جاء تأكيده على أهمية الاستثمار فى التحول الأخضر، وفى الابتكار التكنولوجى، وفى شراكات عادلة مع دول الجنوب، باعتبارها أدوات لخفض التوترات البنيوية التى تغذى عدم الاستقرار.
غير أن السؤال المركزى يبقى: إلى أى مدى تستطيع القوى الوسيطة فعلًا الحد من التوترات فى ظل تنافس محتدم بين قوى كبرى تميل إلى إعادة رسم قواعد اللعبة؟ الإجابة ليست بسيطة. فمن جهة، تمتلك هذه القوى هامشًا للتحرك من خلال المنظمات الدولية، والمنتديات الاقتصادية، والتحالفات الإقليمية. ومن جهة أخرى، فإنها تتعرض لضغوط متزايدة للاصطفاف، سواء فى سياق التنافس الأمريكى ــ الصينى، أو فى ظل أزمات إقليمية متفجرة. التحدى يكمن فى قدرتها على الحفاظ على قدر من الاستقلالية الاستراتيجية، دون أن تتحول إلى ساحة تنافس أو إلى تابع لهذا المعسكر أو ذاك.
• • •
تجربة كندا تقدم مثالًا دالًا. فهى عضو فى تحالفات غربية تقليدية، لكنها تحاول فى الوقت ذاته تنويع شراكاتها الاقتصادية، وتعزيز حضورها فى آسيا والمحيط الهادئ، والانخراط فى مبادرات المناخ والتنمية التى تتجاوز الاصطفافات التقليدية. خطاب كارنى فى دافوس عكس هذا التوازن الدقيق: تأكيد على القيم الليبرالية والتعددية، مع اعتراف بضرورة إصلاح المؤسسات الدولية لتصبح أكثر تمثيلًا وعدالة. هذا البعد الإصلاحى مهم، لأن القوى الوسيطة تدرك أن الدفاع غير النقدى عن الوضع القائم لن يكون مقنعًا لدول الجنوب التى تشعر بالتهميش.
دور القوى الوسيطة فى الحد من عدم اليقين يتجاوز الوساطة السياسية إلى إدارة المخاطر العالمية. فهى تستثمر فى آليات الإنذار المبكر، وفى تعزيز مرونة اقتصاداتها، وفى بناء شبكات تعاون عابرة للأقاليم. كما أنها تسعى إلى صياغة أطر تنظيمية للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعى والتجارة الرقمية، بما يمنع تحول هذه المجالات إلى ساحات صراع غير منضبط. فى هذا السياق، يكتسب حديث كارنى عن الابتكار المسئول والحوكمة الرشيدة بعدًا استراتيجيًا، لأنه يربط بين التقدم التكنولوجى والاستقرار الدولى.
مع ذلك، لا ينبغى المبالغة فى قدرة القوى الوسيطة على تغيير مسار النظام الدولى بمفردها. فهى تعمل فى بيئة تتسم بتآكل الثقة، وتنامى النزعات الشعبوية، وتصاعد سباقات التسلح. كما أن مواردها، مهما بلغت، تظل محدودة مقارنة بالقوى العظمى. لذلك فإن فعاليتها تتوقف إلى حد كبير على قدرتها على بناء ائتلافات واسعة، وعلى استخدام المنابر الدولية لإعادة صياغة السرديات السائدة حول الأمن والتنمية والتعاون. إن خطاب رئيس الوزراء الكندى فى دافوس يمكن قراءته بوصفه محاولة لإعادة الاعتبار لفكرة أن الاستقرار العالمى ليس محصلة توازنات قوى فحسب، بل نتاج شبكات تعاون ومؤسسات وقواعد. وهو فى ذلك يعبر عن رؤية ترى فى التعددية أداة لإدارة التنافس، لا لإلغائه. القوى الوسيطة لا تنكر واقع الصراع، لكنها تسعى إلى تطويقه، وإلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، وإلى منع الانزلاق إلى مواجهات شاملة تزيد من حالة عدم اليقين.
• • •
فى عالم يتسم بتغيرات متسارعة، يصبح الرهان على القوى الوسيطة رهانًا على العقلانية المؤسسية وعلى الدبلوماسية متعددة الأطراف. هذه القوى قد لا تملك القدرة على فرض السلام، لكنها تستطيع ــ إذا أحسنت التنسيق واستثمرت فى شرعيتها الدولية ــ أن تخفف من حدة التوترات، وأن توفر مساحات للتفاوض، وأن تذكر الفاعلين الكبار بأن الاستقرار مصلحة مشتركة لا يمكن الاستغناء عنها. وبين الخطاب والممارسة تبقى المسافة قائمة، غير أن كلمات كارنى فى دافوس، ومن بعده عديد الزعماء الأوروبيين فى مؤتمر ميونيخ للأمن، تعكس إدراكًا بأن ترك العالم لمنطق الصفقات الظرفية والقوة المجردة سيقود إلى مزيد من الاضطراب. هكذا يتحدد دور القوى الوسيطة: ليس بديلًا عن القوى الكبرى، ولا تابعًا لها، بل فاعل يسعى إلى إعادة إدخال عناصر التوازن والاعتدال إلى نظام دولى يميل إلى الاستقطاب. ومن خلال الدفاع عن التعددية، والعمل على إصلاحها، والاستثمار فى التعاون الاقتصادى والتكنولوجي، يمكن لهذه القوى أن تساهم فى الحد من التوترات وفى تقليص حالة عدم اليقين التى تخيم على العلاقات الدولية. وربما يكون هذا هو الدرس الأهم: أن المستقبل لن يصنعه الأقوى وحده، بل أيضًا من يملك القدرة على بناء الجسور حين تتكاثر الجدران.


أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى

عمرو حمزاوي أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي
التعليقات