تعيش المنطقة العربية لحظة سيولة استراتيجية غير مسبوقة، تتقاطع فيها حروب مفتوحة، وانهيارات دول، وتآكل أطر الضبط الإقليمى، مع تراجع واضح فى قدرة القوى الدولية الكبرى، أو رغبتها، على لعب أدوار استقرار مستدامة. فى هذا السياق، تبرز الحاجة الملحّة إلى دبلوماسية جماعية تقودها قوى إقليمية وازنة، قادرة على الجمع بين النفوذ السياسى، والشرعية الإقليمية، والخبرة التاريخية فى إدارة الأزمات. وتمثل كلٌّ من مصر والسعودية، بحكم موقعهما الجغرافى، وثقلهما السياسى، وعلاقاتهما المتشابكة مع الفاعلين الإقليميين والدوليين، مرشحتين طبيعيتين لقيادة هذا الجهد، ليس عبر مبادرات منفردة، بل من خلال دبلوماسية جماعية منسقة تستهدف استعادة الاستقرار فى بؤر الانهيار العربى، وعلى رأسها اليمن والسودان وليبيا، والمساهمة فى نقل اتفاق غزة من مرحلة وقف إطلاق النار الهش إلى مسار سياسى أكثر استدامة.
• • •
فى الحالة اليمنية، أثبتت السنوات الماضية أن المقاربات العسكرية، سواء قادتها قوى إقليمية أو انخرطت فيها قوى دولية، لم تنتج سوى إعادة توزيع للعنف دون حسم، وأسهمت فى تعميق الانقسام الاجتماعى والسياسى، وتحويل اليمن إلى ساحة صراع إقليمى بالوكالة. هنا، تمتلك الدبلوماسية الجماعية المصرية - السعودية فرصة لإعادة تعريف مسار التسوية، من خلال الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق إعادة بناء الدولة. فالسعودية، التى تحملت العبء الأكبر من تداعيات الحرب، باتت أكثر إدراكًا لمحدودية الخيار العسكرى، وأكثر انفتاحًا على تسويات سياسية تقلص التهديدات الأمنية على حدودها. أما مصر، فتمتلك خبرة تراكمية فى دعم مؤسسات الدولة الوطنية، ورؤية أكثر شمولًا لأمن البحر الأحمر وباب المندب. إن الجمع بين هذين البعدين يمكن أن يفضى إلى دفع حوار يمنى - يمنى حقيقى، لا يقتصر على تقاسم السلطة بين النخب المسلحة، بل يعيد الاعتبار لفكرة الدولة الجامعة، ويحدّ فى الوقت ذاته من انزلاق اليمن إلى مجال نفوذ دائم لقوى غير عربية.
وفى السودان، تبدو الحاجة إلى دبلوماسية جماعية أكثر إلحاحًا، فى ظل حرب داخلية مدمرة أعادت إنتاج منطق الميليشيات، وفتحت الباب واسعًا أمام التدخلات الخارجية وتدويل الصراع. ولم يكن فشل المسارات الدولية السابقة نابعًا فقط من تعقيد المشهد السودانى، بل أيضًا من غياب مركز ثقل إقليمى قادر على فرض مسار تفاوضى متماسك، يوازن بين وقف القتال ومعالجة جذور الأزمة المرتبطة بطبيعة الدولة والعلاقة بين السلطة المدنية والعسكرية. إن مصر والسعودية، بما لهما من علاقات مباشرة مع أطراف الصراع، وبما تملكانه من نفوذ اقتصادى وسياسى، تستطيعان الدفع نحو إطار تفاوضى جديد يربط بين وقف إطلاق النار، وإعادة توحيد المؤسسة العسكرية، وإطلاق عملية سياسية مدنية تدريجية، دون أوهام الانتقال السريع أو الإقصاء الكامل لأى طرف. ودبلوماسية من هذا النوع لا تسعى إلى فرض نموذج جاهز، بل إلى منع الانهيار الكامل، والحفاظ على الحد الأدنى من الدولة، باعتباره شرطًا لأى استقرار لاحق.
أما ليبيا، فهى المثال الأوضح على فشل إدارة الصراع عبر الترتيبات المؤقتة وتقاسم النفوذ بين قوى الأمر الواقع. فسنوات من المؤتمرات الدولية لم تنتج سوى تثبيت الانقسام، وتحويل ليبيا إلى مساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية المتنافسة. هنا، يمكن لدبلوماسية جماعية تقودها مصر والسعودية أن تسهم فى كسر الجمود، عبر إعادة مركزية المسار العربى، وربط أى تسوية سياسية بمسألة إخراج المقاتلين الأجانب، وتفكيك اقتصاد الحرب، وبناء حدٍّ أدنى من التوافق حول مؤسسات سيادية موحدة. فمصر تمتلك مصلحة مباشرة فى استقرار ليبيا الغربية والشرقية، فيما تستطيع السعودية استخدام ثقلها السياسى والدبلوماسى لتقليص تناقضات المواقف الدولية، ودفع الفاعلين الليبيين نحو تسوية أقل هشاشة، حتى وإن جاءت على حساب طموحات بعض القوى المحلية قصيرة المدى.
وفيما يتعلق بغزة، فإن الانتقال من المرحلة الأولى لأى اتفاق، والتى غالبًا ما تركز على وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، إلى مرحلة ثانية أكثر تعقيدًا تتعلق بإعادة الإعمار، وترتيبات الحكم، وضمانات الأمن، يظل التحدى الأكبر. وتشير التجربة التاريخية إلى أن غياب إطار إقليمى داعم يجعل هذه المرحلة عرضة للانهيار السريع. وهنا، تلعب مصر دورًا محوريًا بحكم موقعها الجغرافى، وعلاقاتها مع مختلف الأطراف الفلسطينية، وخبرتها الطويلة فى إدارة ملفات التهدئة. غير أن نجاح هذا الدور يتطلب غطاءً عربيًا أوسع، ودعمًا سياسيًا وماليًا سعوديًا، يعيد ربط مسار غزة بسياق إقليمى أوسع لا يفصل بين المسألة الإنسانية والمسألة السياسية. ودبلوماسية جماعية من هذا النوع يمكن أن تسهم فى منع تحويل المرحلة الثانية إلى مجرد إدارة للأزمة، والدفع بدلًا من ذلك نحو ترتيبات تقلص احتمالات العودة إلى الحرب، حتى فى ظل غياب أفق تسوية نهائية شاملة.
• • •
ما يميز الدبلوماسية الجماعية التى يمكن أن تقودها مصر والسعودية ليس فقط تعدد الملفات، بل المنهج. فهى دبلوماسية واقعية، لا تفترض إمكانية حلول سريعة أو مثالية، لكنها تدرك فى الوقت ذاته أن ترك الأزمات مفتوحة يحمل كلفة استراتيجية باهظة على الأمن العربى. وهى دبلوماسية تدرك حدود القوة العسكرية، وتراهن بدلًا من ذلك على مزيج من النفوذ السياسى، والضغوط الاقتصادية، وبناء التوافقات الإقليمية، والانخراط الحذر مع القوى الدولية، دون الارتهان الكامل لأجنداتها.
وفى عالم يتجه نحو مزيد من التنافس بين القوى الكبرى، وتراجع الالتزام الدولى بإدارة النزاعات طويلة الأمد، يصبح الدور الإقليمى ليس خيارًا، بل ضرورة. وإذا نجحت مصر والسعودية فى بلورة دبلوماسية جماعية متماسكة، لا تقوم على ردود الفعل، بل على رؤية استراتيجية مشتركة، فإن ذلك قد لا يحل أزمات اليمن والسودان وليبيا وغزة دفعة واحدة، لكنه، على الأقل، يمكن أن يعيد إدخال هذه الأزمات فى مسارات قابلة للإدارة، ويمنع انزلاقها نحو مزيد من التفكك والفوضى. وهو إنجاز قد يبدو محدودًا فى ظاهره، لكنه فى السياق العربى الراهن يمثل خطوة جوهرية نحو استعادة فكرة النظام الإقليمى ذاته.
أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي.