حادثة الإفك - بشير عبد الفتاح - بوابة الشروق
الثلاثاء 17 مارس 2026 8:57 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

حادثة الإفك

نشر فى : الإثنين 16 مارس 2026 - 5:55 م | آخر تحديث : الإثنين 16 مارس 2026 - 5:55 م

شكلت حادثة الإفك إحدى أفجع الوقائع التى زلزلت المجتمع الإسلامى فى فجر تاريخه. حينئذٍ، افترى المنافقون بقيادة عبد الله بن أبى ابن سلول على أم المؤمنين، السيدة عائشة، رضى الله عنها، زورًا وبهتانًا، متهمين طهارتها.


فى حديث طويل تم تخريجه فى الصحاح والسنن، روت الصديقة بنت الصديق تلك القصة كاملة. ففى غزوة «بنى المصطلق» إبان السنة السادسة للهجرة، اصطحبها النبى، صلى الله عليه وسلم، معه. وفى طريق العودة، فقدت قرطها حين ذهبت لقضاء حاجتها بمنأى عن موضع استراحة الجيش، وما إن عادت للبحث عنه دون أن يراها المسلمون، حتى ارتحل الجيش من دونها ظنًا أنها جالسة فى هودجها. فلما بقيت وحيدة منتظرة أن يدركها القوم، غشيتها سنة من النوم.


وكان الصحابى الجليل صفوان بن المعطل، رضى الله عنه، معنيًا بالتأخر عن الجيش لتفقّد المكان الذى كان يعسكر فيه؛ علّه يدرك متأخرًا بحاجة إلى مساعدة، أو يجد متاعًا نسيه أصحابه، أو سقط منهم فيلحقهم به. فلما رأى أم المؤمنين عائشة، رضى الله عنها، نائمة فى مكانها، استرجع فاستيقظت فور سماع صوته؛ ثم أناخ لها راحلته، وتأخر عنها حتى ركبت، ثم قاد جمله وواصل السير حتى لحق بقافلة الجيش حين توقفت للراحة وقت الظهيرة. فما إن رأى المنافقون هذا المشهد، حتى طفقوا يخوضون فى عرض النبى، صلى الله عليه وسلم.


ظلت أم المؤمنين عائشة أيامًا لا تدرى ما يقال عليها، فقد ذكرت فى حديثها: «خرجت بعدما نقهت بصحبة أم مسطح بن أثاثة، مروج الفرية. وما إن عثرت أم مسطح فى مرطها، حتى قالت: تعس مسطح. فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلًا شهد بدرًا؟ فقالت: أى هنتاه، أولم تسمعى ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتنى بقول أهل الإفك؛ فازددت مرضًا إلى مرضى». فقلت: «إنى والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا، حتى استقر فى نفوسكم وصدقتم به، فإن قلت لكم إنى بريئة -والله يعلم أنى بريئة- لا تصدقونى بذلك. ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أنى بريئة لتصدقونى. وإنى والله ما أجد لى ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسف: «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ»، ثم تحولت فاضطجعت على فراشى».


تعاظم الخطب وادلهمت الأجواء بعدما تأخر نزول الوحى على النبى لما يربو على الشهر؛ ما عظم بلاءه ﷺ وأصحابه إثر تضخم فتنة المنافقين لتعصف بالمدينة كلها. ثم نزل الوحى مُبرئًا أم المؤمنين عائشة وصفوان، رضى الله عنهما، فاضحًا المنافقين ومتوعّدًا إياهم بالعذاب الشديد فى الدنيا والآخرة. وقد عاتب الحق، تبارك وتعالى، المسلمين الذين انخدعوا بكلام المنافقين وانساقوا وراءهم فخاضوا فى الأمر بغير علم أو تثبّت، أو كان موقفهم محايدًا. حيث قال جل جلاله فى الآية الثانية عشرة من سورة النور:
«لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ».


أى: ظن المؤمنون بعضهم ببعض خيرًا، وهو السلامة مما رُموا به، وأن ما معهم من الإيمان المعلوم يدفع ما قيل فيهم من الإفك الباطل. ولذا، كان الوعيد شديدًا لهؤلاء، ففى الآية التاسعة عشرة من السورة نفسها:
«إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِى الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ».


ابتلى الله نبيه الكريم ﷺ بهذا الأمر ليجعل منهجه فى التعاطى معه نبراسًا للأمة فى بقية دهرها. فرغم عظم المصاب وفداحة الفرية، كان ﷺ قدوة فى الصبر والحكمة والتعامل مع الخائضين فى الإفك، علاوة على محاصرة الفتنة وقطع أسباب تفاقمها، والحزم فى تنفيذ العقوبات الصارمة على الخارجين المخالفين. وبرغم ما قيل فى حقها، كان النبى يعود إلى عائشة يوميًا ويسأل عن أحوالها، خاصة فى مرضها الذى اعتراها بمجرد عودتها إلى المدينة، بل إنه لم يخبرها بما يخوض المنافقون فى أمرها حتى لا يضاعف مرضها، غير أنه لم يكن يُشعرها باللطف الذى كانت تعهده منه عندما تمرض. ورغم امتناعه عن البتّ فى هذه المسألة انتظارًا للوحى، وحتى لا يقال إنه برّأ أهله وصاحبه، أظهر النبى ظن الخير فى أهله وأصحابه. فعنها، رضى الله عنها، قالت: «قام رسول الله ﷺ على المنبر، فقال: يا معشر المسلمين، من يعذرنى من رجل قد بلغ أذاه فى أهل بيتى؟ فوالله ما علمت على أهلى إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلى إلا معى». ولاحقًا، قرر النبى بلطف وحكمة مصارحة أم المؤمنين بالأمر، إذ قال: "أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغنى عنك كذا وكذا. فإن كنت بريئة سيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفرى الله وتوبى إليه. فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه».


بعد شهر مضى كأنه دهر، برأ المولى عز وجل الصديقة بنت الصديق من فوق سبع سماوات عبر قرآن يتلى ويتعبد به إلى يوم القيامة. حيث قال تعالى فى الآيات من 11 إلى 20 من سورة النور:
«إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ.. وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ».


على إثر ذلك، خرج الرسول، صلى الله عليه وسلم، إلى المسجد فخطب الناس وتلا عليهم ما أنزل الله عليه من القرآن فى ذلك. ثم أمر بمسطح بن أثاثة، و حسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة؛ فأنزل بهم حد القذف ثمانين جلدة. وروى أبو داود فى سننه من حديث عائشة، رضى الله عنها، أنها قالت: «فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ ثَمَانِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ تَوَلَّوْا كِبْرَ ذَلِكَ وَقَالُوا بِالْفَاحِشَةِ»، فيما تُرك عبد الله بن أبى ابن سلول، المنافق، ولم يُحد، مع أنه رأس أهل الإفك، فقيل: لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة، والخبيث ليس أهلًا لذلك، وقد توعده الله بالعذاب العظيم فى الآخرة بقوله تعالى:
«وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ».


عبر محنة استمرت شهرًا كاملًا، ربّى المولى عز وجل عباده المؤمنين على الصبر، ضبط النفس، حفظ اللسان، إحسان الظنّ بالمؤمنين، الحذر من مكائد المنافقين، المحافظة على العفة والطهارة، والتسامح. فلقد هرع حسان بن ثابت معتذرًا لأم المؤمنين، حيث أخرج الإمام البخارى عن مسروق عن عائشة، رضى الله عنها، قالت: «جاء حسان بن ثابت يستأذن عليها، قلت: أتأذنين لهذا؟ قالت: أوليس قد أصابه عذاب عظيم؟!».


ولقد كان أبو بكر الصديق، رضى الله عنه، يُنفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره، فلما أنزل الله تعالى عذر عائشة، قال: «والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا، ولا أنفعه بنفع أبدًا بعد افترائه على عائشة». فأنزل الله تعالى فى ذلك الآية الثانية والعشرين من سورة النور:
«وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِى الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ».
وعلى إثر ذلك، قال الصديق، رضى الله عنه: «بلى والله، إنى أحب أن يغفر الله لى». فرجع النفقة إلى مسطح وقال: «والله لا أنزعها منه أبدًا».

التعليقات