الناتو وأزمة هرمز - بشير عبد الفتاح - بوابة الشروق
الإثنين 25 مايو 2026 8:24 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

الناتو وأزمة هرمز

نشر فى : الإثنين 25 مايو 2026 - 7:25 م | آخر تحديث : الإثنين 25 مايو 2026 - 7:25 م

رغم نأيه بنفسه عن التورط فى الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران؛ بما من شأنه إثارة استياء إدارة ترامب، ومفاقمة خيبة أملها حياله، وبينما لم تطالبه واشنطن، رسميًا حتى الآن، بالمشاركة فى مخططات إعادة فتح مضيق هرمز، يعكف حلف شمال الأطلسى «الناتو»، هذه الأيام، على دراسة إمكانية المساهمة فى التحركات الهادفة إلى استعادة حرية الملاحة بالمضيق، إذا لم يتم فتحه بحلول شهر يوليو المقبل.


بالغة هى الأضرار التى ألمّت بدول الحلف، جراء استمرار الحرب على إيران، وتعطل الملاحة البحرية فى هرمز. حيث أكد القائد الأعلى لقوات الناتو فى أوروبا، أليكسوس جرينكويتش، أن إعاقة حرية المرور فى المضيق تؤثر سلبًا على اقتصادات دول الحلف، كما على أنشطتها المتعلقة بقطاع الصناعات العسكرية. ذلك أن ارتفاع أسعار الطاقة، وتوقف سلاسل توريد بعض المواد الأولية الضرورية، كفيل بإرباك خطوط إنتاج الصناعات الدفاعية بالحلف، وتقييد إمداداته من الأسلحة المتطورة، لا سيما الصواريخ الاعتراضية الحديثة. الأمر الذى سيتمخض عن تأخير تجديد المعدات العسكرية المعقدة، التى تعزز الضمانات الأمنية للحلف، كما يلقى بظلال من الغيوم على جهوزيته العسكرية الجماعية وقدراته الردعية.


تعزز الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران مساعى الحلف نحو توسيع نطاقه الجيوسياسى ومجاله الاستراتيجى الحيوى. فمن خلال إعادة التموضع الاستراتيجى التدريجى؛ يحرص الناتو على تماسك تحالفه، مع الاستعداد لمرحلة انحسار التمركز العسكرى الأمريكى فى القارة العجوز، عبر إعادة تعريف مفهوم «الضمان الأمنى الأمريكى»، الذى شكّل أساس المنظومة الأطلسية، وحجر الأساس للأمن الأوروبى منذ الحرب الكونية الثانية. كما يتوخى الحلف ترميم التصدعات فى الشراكة الاستراتيجية بين ضفتى الأطلسى. فمن خلال آليات التخطيط الدفاعى، واستراتيجيات إعادة التموضع، تتسع منطقة العمليات الاستراتيجية والمجال الأمنى للناتو، لتشمل النطاقات الجيوسياسية والدفاعية لأعضائه، والمتمثلة فى: الأراضى البرية، المجال الجوى، البحار الخاضعة لسيادة الدول الأعضاء، علاوة على الفضاء السيبرانى والفضاء الخارجى. فرغم أن الناتو حلف دفاعى، يتسع مجاله الأمنى ليشمل عمليات إدارة الأزمات، والردع، والدعم الاستراتيجى خارج حدوده المباشرة، مثل مناطق الشرق الأوسط، والقرن الإفريقى، والبلقان؛ لضمان عدم تغلغل التهديدات إلى النطاق الأوروأطلسى. كذلك يمتد المجال الحيوى للحلف ليشمل القطب الشمالى؛ حيث تعيد موسكو بناء واحدة من أكثر قواعدها العسكرية الاستراتيجية حساسية منذ الحرب الباردة. فيما تحتضن مدينة مورمانسك وميناء الأسطول الشمالى الروسى أحد أكبر مخازن الرءوس النووية على مستوى الكوكب، وتشهد نشاطًا عسكريًا واستخباريًا مكثفًا، بينما تتصاعد وتيرة التنافس المتنامى على الموارد والممرات البحرية الجديدة، التى ستغير الخارطة الجيوسياسية للعالم القطبى خلال العقود المقبلة.


بينما حصرت معاهدة واشنطن المؤسسة للناتو عام 1949 نطاقه العملياتى فى أوروبا وأمريكا الشمالية، يأبى الحلف إلا الاضطلاع بمهام خارج ذلك النطاق، أبرزها: أفغانستان 2001، خليج عدن وجنوب البحر الأحمر 2009، وليبيا 2011. وأثناء الحرب الأمريكية ــالإسرائيلية الحالية على إيران، حرص الحلف على تأكيد التزامه مساندة أعضائه كافة فى مواجهة أى عدوان إيرانى. وفى هذا السياق، تصدت الدفاعات الجوية الأطلسية لأربعة صواريخ باليستية أطلقتها إيران نحو الأراضى التركية. كما أعلنت وزارة الدفاع الألمانية دعم قدرات الدفاع الجوى التركى فى إطار الحلف؛ من خلال نشر وحدة دفاع جوى داخل الأراضى التركية لمدة ستة أشهر، اعتبارًا من نهاية الشهر المقبل، تشمل بطارية «باتريوت»، رفقة نحو 150 جنديًا ألمانيًا، للحلول محل مثيلتها الأمريكية، التى نشرها الحلف فى مارس الماضى قرب قاعدة رادار تابعة للناتو جنوب شرق البلاد، إلى جانب منظومة إسبانية أخرى موجودة هناك حاليًا؛ وذلك بغية تعزيز الدفاعات الجوية التركية بمواجهة التهديدات الصاروخية الإيرانية.


يظل أى تحرك عملياتى للحلف بشأن استعادة حرية الملاحة فى مضيق هرمز قرارًا سياسيًا أطلسيًا بامتياز؛ كونه يرتهن بالتوافقات داخل مجلس شمال الأطلسى، المعنى باتخاذ القرارات السياسية والعسكرية على أساس الإجماع والتوافق. ما يستوجب موافقة جميع الدول الأعضاء الاثنتين والثلاثين على أى قرار؛ سواء تعلق بالعمليات العسكرية، أو قبول أعضاء جدد، أو حتى إصدار بيانات سياسية. ووفقًا لمبدأ السيادة المتساوية، تمتلك كل دولة عضو صوتًا واحدًا بمجلس شمال الأطلسى؛ ما يتيح لها، مهما كان حجمها، استخدام حق النقض (الفيتو) لتعطيل أى قرار أو مقترح. ويشدد الأمين العام للناتو على أنه «تحالف سياسى وعسكرى ديمقراطى»، يتخذ قراراته عبر التوافق السياسى والعسكرى. غير أن اعتماد قاعدة الإجماع الصارمة لا يحرم الدول الأعضاء، بشكل فردى أو ضمن مجموعات فرعية، من تفعيل مبدأ المرونة السياسية والتنظيمية، عبر الانخراط فى مهام أو تحالفات عسكرية مؤقتة خارج النطاق الرسمى للحلف. فبموجبه، يتسنى لعدد من الدول الأعضاء المشاركة فى جهود تأمين مضيق هرمز، بعد توقف الحرب، ضمن آلية تقودها بريطانيا، وتحوى ترتيبات وتفاهمات منبتة الصلة بالناتو.


لا تزال فكرة تدخل الناتو للمساهمة فى إعادة فتح مضيق هرمز تفتقد الإجماع المطلوب. فبينما يتحمس لها بعض الأعضاء، يعارض آخرون تفويض الحلف بأى مهام بهذا الصدد حاليًا، مخافة الانجرار إلى أتون حرب مفتوحة. فبينما ترفض كندا الانخراط فى العمليات القتالية المباشرة، تقترح الاكتفاء بأدوار لوجيستية، على شاكلة نزع الألغام، وضمان انسياب الملاحة بعد توقف الأعمال الحربية. أما إسبانيا، فقد أعلنت معارضتها الصريحة للحرب، حتى إنها لم تسمح للولايات المتحدة باستخدام مجالها الجوى أو قواعدها العسكرية لمهاجمة إيران، رغم أن القواعد الأمريكية فى أوروبا تتيح لواشنطن نشر قواتها بتلك القواعد، بل والاستفادة منها أثناء التعاطى مع أية أزمات أو نزاعات مسلحة فى الشرق الأوسط أو بقاع قريبة. ويتفق جل الأعضاء، حتى الآن، على عدم الانخراط فى الصراع حول المضيق قبل توقف القتال وتشكيل تحالف واسع يضم عددًا من الدول غير الأعضاء فى الناتو. وأكد مسئول كبير فى الحلف أن بعض الأعضاء الذين يعارضون تكليف الحلف بمهام فى المضيق حاليًا، قد يبدلون مواقفهم إذا ما طال أمد إغلاقه، شريطة توقف إطلاق النار. فحينئذ، يمكنهم الإسهام بالخبرات، وتقديم الدعم اللوجستى، لاستعادة حركة الملاحة.


التأم وزراء خارجية الدول الأطلسية بالسويد نهاية الأسبوع الفائت، لمناقشة تطورات الحرب مع إيران وتداعياتها على أمن الملاحة بمضيق هرمز. وخلال الاجتماع، رحب الأمين العام للحلف بإبداء عدد من الدول الأوروبية استعدادها للإسهام فى جهود إعادة فتح المضيق، وضمان حرية الملاحة فيه، وذلك من خلال دعم المساعى الأمريكية للتصدى للتهديدات التى تتربص بالممر البحرى الحيوى. وأشاد الحلف بموافقة عدد من أعضائه الأوروبيين، مثل: رومانيا، واليونان، والبرتغال، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، على السماح لواشنطن باستخدام أجوائها وقواعدها العسكرية أثناء العمليات العسكرية، حتى إن مجلس الحلف أبدى استعداده لتوسيع نطاق الدعم الممكن، بمجرد أن تضع الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران أوزارها.


يتحضر قادة دول الحلف للالتقاء فى قمة أنقرة الأطلسية يومى السابع والثامن من يوليو المقبل؛ بمشاركة دول «مبادرة إسطنبول للتعاون» عام 2004، التى تضم كلا من قطر، والكويت، والإمارات، والبحرين، وذلك بهدف تعزيز التعاون الأمنى والسياسى مع دول منطقة الخليج والشرق الأوسط فى مجالات متعددة، أبرزها: مكافحة الإرهاب والتطرف، أمن الحدود والموانئ، حماية البنية التحتية الحيوية، الطاقة، الأمن السيبرانى، التدريب العسكرى، تبادل الخبرات والمعلومات، إدارة الأزمات والتخطيط للطوارئ، والمشاركة فى ورش العمل والبرامج الدفاعية. وذلك بغرض توسيع مستوى التنسيق مع الشركاء الخليجيين، وإظهار موقف موحد تجاه ما أسماه الأمين العام للحلف «التهديدات الباليستية الإيرانية العابرة للحدود». ويؤكد الناتو أن المبادرة لا تستهدف إنشاء تحالف عسكرى جديد فى الخليج، بقدر ما تكرس مبدأ «التعاون الطوعى» وفق احتياجات كل دولة. وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت المبادرة أهمية متزايدة مع تصاعد التوترات الإقليمية فى الشرق الأوسط، خصوصًا ما يتعلق بأمن الملاحة، والطاقة، والصراعات الإقليمية.


على دلالات بالغة الأهمية، تنطوى مشاركة الدول الخليجية الأربع فى قمة أنقرة الأطلسية المرتقبة. فبعدما طورت أطرًا مؤسسية صلبة للتعاون مع الحلف خلال السنوات الماضية، تشمل مجالات التدريب العسكرى، الأمن البحرى، مكافحة الإرهاب، الأمن السيبرانى، وتبادل المعلومات والخبرات الدفاعية، ستمثل مشاركتها تلك بداية مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية المرنة مع الناتو، ترسخ بدورها نموذجًا تعاونيًا يتأسس على الردع، وإدارة الأزمات، وحماية الاستقرار الإقليمى، وتطوير آليات مبتكرة للدفاع الجوى، فضلًا عن رفع مستوى التنسيق الجيوسياسى مع الحلف، ليشمل أمن الطاقة، وضمان حرية المرور العابر وغير المشروط بالمضائق والممرات الملاحية البحرية.

التعليقات