مأزق السلام الذى يبشِّر به ترامب - خالد أبو بكر - بوابة الشروق
الأربعاء 25 مارس 2026 2:46 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

مأزق السلام الذى يبشِّر به ترامب

نشر فى : الثلاثاء 24 مارس 2026 - 7:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 24 مارس 2026 - 7:25 م

 

مع دخول الحرب أسبوعها الرابع، لم يعد الحديث عن تهدئة قريبة أو اختراق سياسى وشيك أكثر من أمنية تُقال فى مواجهة واقع يتصاعد ميدانيًا كل يوم. فالصواريخ التى تضرب عمق إسرائيل، والتهديدات التى تطال دول الخليج، والتحولات المتسارعة فى أسواق الطاقة، كلها مؤشرات على أن المنطقة دخلت طورًا جديدًا من الصراع، يتجاوز حسابات الردع التقليدى. فى هذا السياق، يبدو الحديث عن «السلام» الذى يروّج له دونالد ترامب أقرب إلى فكرة مريحة للأسواق والدوائر السياسية، منه إلى مسار واقعى لإنهاء الحرب.

الرئيس الأمريكى يتحدث عن «محادثات جيدة ومثمرة» مع إيران، فيما تنفى طهران، وبين التهديد والتراجع تتقلب الأسواق. يمدد مهلة فتح مضيق هرمز، ثم يلوح بالقوة من جديد، وفى كل مرة تهدأ فيها الأسعار تعود للارتفاع مع أول إشارة تصعيد. فى هذه المسافة بين التصريح والنفى، يتكشف واقع أكثر صلابة: لا سلام فى الأفق، بل إدارة مؤقتة لأزمة تتسع.

المشكلة لا تكمن فقط فى غياب الثقة، بل فى طبيعة ما حدث خلال الأسابيع الماضية. إيران نقلت جزءًا من المعركة إلى الداخل الإسرائيلى، ووسعت دائرة النار لتشمل الخليج. هذه ليست تفاصيل يمكن تجاوزها سريعًا؛ إنها وقائع تعيد تعريف ميزان الردع فى المنطقة، وتفرض على جميع الأطراف حسابات أكثر تعقيدًا مما يعلن.

• • •

فى قلب هذه المعادلة، تقف دول الخليج الشقيقة لا بوصفها ممرا للطاقة فحسب، بل كساحة مكشوفة تدفع ثمن حرب لم تختر الدخول فيها. صواريخ تعبر أجواءها، ومسيرات تستهدف منشآتها، ومدن تعيش على إيقاع إنذارات متكررة. هنا لا يتعلق الأمر بأسعار النفط فقط، بل بأمن دول وسيادتها واستقرار مجتمعاتها. وحين تصبح العواصم الخليجية ضمن بنك الأهداف، فإن الحديث عن «أضرار جانبية» يفقد معناه، لأن الضرر بات مباشرا ويطال حياة الناس قبل الأسواق.

فى هذا السياق، أى اتفاق لا يغير جوهر النظام الإيرانى سيبدو، فى نظر كثيرين، أقرب إلى هزيمة منه إلى تسوية؛ لأن الحرب، منذ لحظتها الأولى، لم تُقدَّم بوصفها مجرد عملية ردع محدودة، بل كمحاولة لتغيير قواعد اللعبة بالكامل: تفكيك القدرات النووية، شل البرنامج الصاروخى، وربما، ضمنيًا، الدفع بالنظام نحو إعادة تشكّل عميقة.

لكن أيا من ذلك لم يتحقق بشكل حاسم؛ فالضربات الجوية، رغم كثافتها، لم تنه قدرة إيران على الرد؛ ومضيق هرمز لم يتحول إلى مسار آمن، بل إلى أداة ضغط؛ وشبكة النفوذ الإقليمى لم تتفكك كما كان يُتوقع. هنا يتكسر وهم «السلام السريع»، لأن أى تفاوض الآن يجرى من موقع توازن قلق، لا من موقع انتصار واضح. وهذا ما يجعل فكرة الاتفاق إشكالية سياسية لترامب نفسه.

• • •

وفى المقابل، لا يبدو من الدقة التحليلية استبعاد أن تتجاوز هذه الحرب فى مراحلها المقبلة، استهداف بنية النظام نفسه؛ فطهران، رغم قدرتها على الرد، تلقت ضربات موجعة طالت الصفين الأول والثانى من قياداتها، وتحولت سماؤها، فى لحظات من التصعيد، إلى مجال شبه مفتوح للطيران الإسرائيلى والأمريكى. وهذه ليست مجرد رسائل تكتيكية، بل مؤشرات على أن سقف الأهداف قد يكون أعلى مما يُعلن.

كما أن صمت الشارع الإيرانى، رغم اتساع دوائر التذمر داخله، لا يمكن قراءته بوصفه استقرارًا دائمًا؛ فالصمت فى مثل هذه اللحظات قد يكون ترقبًا، لا قبولًا. ومن هنا تبقى فرضية استهداف بنية النظام، أو الدفع به إلى حافة الانهيار، قائمة ضمن حسابات الحرب، حتى إن لم تُطرح صراحة فى الخطاب السياسى.

• • •

الأكثر تعقيدًا أن إيران لا تبدو مستعجلة على التفاوض، وقد أظهرت قدرتها على فرض كلفة اقتصادية مباشرة، بل واستخدام استهداف الخليج كرسالة استراتيجية واضحة: إذا اختنقنا، سيختنق الجميع. وهنا تتسع دائرة الخطر. لأن ما يجرى لم يعد مواجهة بين دولتين، بل اختبار لقدرة المنطقة كلها على الاحتمال. الخليج يجد نفسه فى قلب معركة تستنزف أمنه وتضغط على موارده، ومع كل يوم تتآكل مساحات الأمان، ويتحول الاستقرار إلى هدف بحد ذاته، لا حالة قائمة.

فى المقابل، لا يبدو أن واشنطن تملك خيارًا سهلا؛ فتصعيد الحرب نحو إسقاط النظام يتطلب كلفة بشرية واقتصادية هائلة، ومخاطر انفجار إقليمى شامل؛ بينما الذهاب إلى اتفاق محدود يحمل كلفة سياسية داخلية، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الطاقة.

وهكذا يجد ترامب نفسه بين خيارين: حرب لا يستطيع حسمها، وسلام لا يستطيع تبريره؛ لذلك يبدو «السلام الذى يبشر به» أقرب إلى مخرج مؤقت، لا نهاية حقيقية لصراع لم تستقر شروطه بعد.

التعليقات