بعد خامنئى.. هل تحكم إيران بعمامة.. أم ببندقية؟ - خالد أبو بكر - بوابة الشروق
السبت 28 مارس 2026 10:33 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

بعد خامنئى.. هل تحكم إيران بعمامة.. أم ببندقية؟

نشر فى : الثلاثاء 3 مارس 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : الثلاثاء 3 مارس 2026 - 7:10 م

فى طهران، لم يسقط رجل فقط.. سقط رأس نظام حكم امتد لأكثر من ثلاثة عقود. اغتيال على خامنئى ليس حدثًا عابرًا فى سجل صراعات الشرق الأوسط، بل لحظة فاصلة قد تعيد تعريف شكل الدولة الإيرانية نفسها. السؤال المطروح اليوم فى العواصم الكبرى من واشنطن إلى بروكسل ليس ما إذا كان النظام سيسقط فورًا نتيجة الهجوم الأمريكى ــ الإسرائيلى، بل أى نسخة منه ستخرج من هذه اللحظة: نسخة أكثر انفتاحًا أم أكثر صلابة؟.
التاريخ لا يميل إلى الرومانسية.. الأنظمة العقائدية لا تنهار عادة بموت قائدها؛ هى تنكمش أولًا، تتماسك، ثم تعيد إنتاج نفسها بصيغة جديدة. فى الحالة الإيرانية، المؤسسة الأكثر استعدادًا لملء الفراغ ليست المؤسسة الدينية بقدر ما هى المؤسسة الأمنية ــ العسكرية، وفى قلبها الحرس الثورى الذى تحوّل خلال أربعة عقود من ذراع ثورية إلى دولة داخل الدولة. يسيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد، يدير شبكات أمنية معقدة، ويمسك بخيوط النفوذ الإقليمى من العراق إلى لبنان. فى لحظات الاضطراب، لا تتقدم الشعارات، بل المؤسسات المنضبطة.
• • •
دستوريًا، يمتلك مجلس خبراء القيادة صلاحية اختيار مرشد جديد. لكن الشرعية الورقية لا تحسم موازين القوة دائمًا. فى مرحلة انتقالية مضطربة، قد يتشكل مركز قرار أمنى يتولى إدارة الدولة عمليًا، حتى لو بقى الغطاء الدينى قائمًا شكليًا. لن يكون انقلابًا كلاسيكيًا تُعلن فيه الدبابات بيانها الأول، بل إعادة توزيع هادئة للسلطة تصبح فيها البندقية أثقل من العمامة.
المفارقة أن الحرب التى استهدفت إسقاط النظام قد تمنحه ذريعة لتشديد قبضته؛ فالحروب الخارجية توحّد النخب، وتبرر الطوارئ، وتسكت الخلافات باسم الدفاع عن الوطن. فى مثل هذه اللحظات، تميل الدول إلى عسكرة السياسة لا إلى تحريرها.
لكن هل يمكن أن ينهار النظام من الداخل كما يراهن ترامب ونتنياهو؟ نظريًا نعم. عمليًا الأمر أكثر تعقيدًا؛ فالمعارضة الإيرانية مشتتة، بلا قيادة موحدة وتفتقر لبنية تنظيمية قادرة على إدارة انتقال سريع، والاحتجاجات الشعبية ــ مهما كانت شجاعة ــ لا تتحول تلقائيًا إلى نظام بديل، والتجارب من بغداد إلى طرابلس تذكر بأن إسقاط رأس السلطة لا يخلق فراغًا نظيفًا، بل فراغًا خطرًا.
• • •
ومع ذلك، افتراض انتقال سلس إلى الحرس الثورى يفترض وحدة داخل هذه المؤسسة، وهو افتراض ليس مضمونًا بالكامل؛ فالحرس ليس كتلة صماء؛ داخله أجنحة أمنية واقتصادية وأيديولوجية قد تختلف فى تقدير الأولويات بين التصعيد الخارجى وترميم الداخل. لحظات التحول الكبرى لا تكشف فقط من هو الأقوى، بل تظهر أيضًا خطوط التنافس المكتومة. وإذا خرج هذا التباين إلى السطح، فقد تطول مرحلة الضباب بدل أن تحسم سريعًا.
غير أن استمرار الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران وتوسّعها إقليميًا قد يبدّل المعادلة بالكامل؛ فالحروب المفتوحة لا تمنح الأنظمة وقتًا طويلًا لإعادة ترتيب بيتها الداخلى؛ إما أن تعزز قبضتها بسرعة، أو تنكشف هشاشتها تحت ضغط الجبهات المتعددة. فى هذا السياق، لا يصبح السؤال فقط من يرث السلطة، بل ما إذا كانت الدولة قادرة على إدارة حرب طويلة دون أن يتصدع مركزها.
• • •
يبقى السؤال الأكثر حساسية: ماذا لو ورث الحرس الثورى الدولة فعلًا؟ هل سيقاطع الغرب سلطة يقودها قادة من مؤسسة مصنفة إرهابية فى واشنطن؟ أم سيتعامل معها بوصفها واقعًا يجب احتواؤه؟
السياسة الدولية لا تدار بالمشاعر. إذا قدمت القيادة الجديدة فى طهران ضمانات صارمة بشأن البرنامج النووى وأبدت استعدادًا لإعادة ضبط سلوكها الإقليمى، فقد تجد هذه العواصم نفسها أمام خيار صعب: إما رفض التعامل والمخاطرة بفوضى أوسع، أو الانخراط مع نظام لا تحبه لكنه يضمن قدرًا من الاستقرار.. الهدف المرجح ليس إسقاط الدولة الإيرانية، بل إعادة تشكيل ميزان الردع وفرض ترتيبات أكثر تشددًا.
• • •
إيران تقف اليوم بين احتمالين.. انتقال مدنى تعددى ــ وهو الأضعف فى المدى القريب ــ أو انتقال أمنى منضبط يعيد صياغة الجمهورية الإسلامية بملامح أكثر عسكرة؛ فالمعركة الآن ليست فقط فى السماء أو على الحدود، بل داخل مؤسسات الحكم نفسها، حيث تحسم الولاءات ويعاد توزيع النفوذ.. تحت ضغط العدوان الخارجى.
فى النهاية، السؤال ليس فقط من يحكم طهران بعد خامنئى، بل أى نوع من النظام سينال شرعية التعامل الدولى. وفى تلك المسافة الضيقة بين القوة والاعتراف، قد يتحدد شكل إيران، وربما شكل الشرق الأوسط لسنوات قادمة.

التعليقات