كيف يمكن فهم وتفسير موقف الرئيس الأمريكى دونالد ترامب من السد الإثيوبى على نهر النيل الأزرق؟
يوم السبت الماضى قال ترامب عن إثيوبيا:
«لديهم مشروع سد كبير وهو أحد أكبر السدود فى العالم، وتمويله كان من أمريكا، أعتبره شيئا عبثيا. الإثيوبيون أخذوا كل المياه من نهر النيل، وهذا الأمر ليس جيدا لمصر، والنهر أصبح شبه خالٍ من المياه، ولكنى تمكنت من حل هذه المشكلة».!!!
التفسير الظاهر أن ترامب يتبنى موقفا شديد التأييد لوجهة النظر المصرية، وبالتالى فالسؤال هو: هل هذا الموقف حقيقى أم دعائى، أم ربما يريد توريط مصر، وإذا كان صحيحا، فكيف يمكن استخدامه للمصلحة المصرية؟
الإجابة عن كل الأسئلة السابقة تستلزم العودة لمواقف ترامب من السد.
فى سبتمبر ٢٠١٩ التقى ترامب مع الرئيس عبد الفتاح السيسى فى نيويورك، وبعدها بأيام وفى ٣ أكتوبر، أعلنت واشنطن استضافة المفاوضات الثلاثية بين مصر وإثيوبيا والسودان، وكانت تلك أهم محاولة جدية لاتفاق ثلاثى دائم.
وفى ٦ نوفمبر تم إطلاق المفاوضات، بحضور وزراء خارجية الدول الثلاث مع ستيفن منوتشين وزير الخزانة الأمريكية وراعى المفاوضات مع رئيس البنك الدولى ديفيد مالباس.
وفى ٣١ يناير ٢٠٢٠ تم الإعلان عن التوصل إلى تفاهمات بشأن آليات التعامل مع فترات الجفاف
الممتد.
وفى ١٢ فبراير أعلنت واشنطن أنها ستنجز نسخة من الاتفاق بالتعاون مع البنك الدولى. وكان مفترضا أن يتم التوقيع على الاتفاق فى ٢٤ فبراير، لكن إثيوبيا هربت والسودان فى زمن عمر البشير تحفظ، وهكذا انهار هذا المسار.
مرة أخرى كانت هذه أهم محاولة للوصول لاتفاق، لكن حينما انسحبت إثيوبيا فإن واشنطن لم تتخذ ضدها إجراءات عقابية.
وهكذا عادت الوساطة مرة أخرى للاتحاد الإفريقى الذى لم يكن أساسا لديه القدرة وربما حتى الرغبة لإقناع إثيوبيا بالتوصل لاتفاق.
التصريح الأهم لترامب عن السد كان فى ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٠ حينما قال: «أن مصر لن تستطيع الاستمرار فى الوضع القائم وإنها قد تنتهى إلى تفجير السد»، مضيفا أنه قرر وقف تقديم بعض المساعدات إلى إثيوبيا!
فى ٢٠ يناير الماضى عاد ترامب للقول إن السد يمنع تدفق المياه إلى مصر وأن أمريكا هى التى دفعت تكاليف بناء السد.
وفى اليوم الثانى وخلال لقائه مع الرئيس السيسى فى دافوس قال إنه يريد استئناف الوساطة وجمع السيسى مع آبى أحمد.
ونفس المعنى كرره خلال لقائه مع السيسى فى إيفيان الفرنسية، وأن السد يشكل مشكلات كثيرة لمصر.
وما بين أول مرة ويوم السبت الماضى تحدث ترامب أكثر من مرة منددا بالسد، وأنه يعرض الوساطة بين البلدين، بل ذات مرة بدا واثقا من إمكانية الوصول إلى حل.
لكن ربما المثير للطرافة تكرار ترامب القول إنه أوقف العديد من الحروب فى العالم منها «الحرب المصرية الإثيوبية»، ولا أحد يعرف يقينا متى بدأت هذه الحرب وكيف أوقفها ترامب؟!!.
طبعا سياسيا جيد جدا لمصر أن يكون أقوى رئيس دولة فى العالم يؤيد موقفنا فى أهم قضية وجودية تواجهنا، حتى لو كنا ندرك أن العديد من تصريحاته غريبة ومتناقضة ولا يعول عليها كثيرا.
لأنه إذا كان ترامب يزعم كل يوم أنه دمر إيران وقضى عليها وأوقف ثمانى حروب لا نعرفها، فعلينا أيضا ألا نركز كثيرا على تصريحاته بشأن السد، إلا إذا اتخذ إجراءات عملية على الأرض.
المفارقة أنه ورغم حديثة الطيب لفظا عن مصر وتضررها من السد الإثيوبى فإن إدارته وقعت فى ١١ مايو الماضى مع إثيوبيا إطارا للتعاون الاستراتيجى، وفى أغسطس الماضى تم الاتفاق على الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى جديد من التعاون الاستراتيجى خصوصا فى التعاون الدفاعى والأمنى، وهو ما اعتبره البعض ردا ربما على التقارب المصرى الصينى.
إدارة ترامب وسائر الإدارات الأمريكية قد تختلف مع حكومة أديس أبابا حول بعض القضايا مثل حقوق الإنسان، لكنها تمثل نقطة ارتكاز أساسية لأمريكا وإسرائيل والغرب فى شرق إفريقيا، وبالتالى فمن الصعوبة تماما تصور أن تقوم إدارة ترامب بالضغط الحقيقى على إثيوبيا من أجل وقف «بلطجتها المائية»، وينبغى التعامل بحذر شديد مع دعوات ترامب خصوصا مثل «تفجير السد» ،لأننا لا نعلم يقينا ما هو هدفه الفعلى من وراء هذا التصريح.
فى كل الأحوال هناك بيت شعر شهير يقول:
ما حك جلدك مثل ظفرك.. فتولَّ أنت جميع أمرك.