عشية ذكرى انتصار أكتوبر 1973، خرج وزير المالية الإسرائيلى بتسلئيل سموتريتش مهددا بأنه «لن تكون هناك سيناء» إذا هاجمت مصر إسرائيل؛ وبعد ساعات، دعا رئيس الأركان إيال زامير جيشه إلى الاستعداد لاحتمال اندلاع حرب مفاجئة، مستشهدا بـ«إخفاقى» حرب أكتوبر 1973 وأحداث السابع من أكتوبر 2023.
التزامن بين تصريح السياسى اليمينى المتطرف وتحذيرات العسكرى المحترف يشير إلى أن الأمر يتجاوز المزايدات الانتخابية التى تسبق انتخابات الكنيست؛ فبعد 53 عاما، لا تزال الذاكرة السياسية والعسكرية الإسرائيلية أسيرة «صدمة أكتوبر»، ولا يزال قادة إسرائيل يتعاملون مع مصر باعتبارها الخطر الأكبر الذى ينبغى الاستعداد لمواجهته ومحاصرته.
قبل قيام دولة الاحتلال، صاغ ديفيد بن جوريون، أول رئيس لحكومتها، هذه الرؤية فى يومياته، معتبرا أن مصر وحدها تملك القدرة على توحيد العرب، وأن سيناء تمثل «عنق الزجاجة» الذى ينبغى لإسرائيل كبسه وإحكام إغلاقه، حتى تحبس الخطر داخل قمقم لا يخرج منه.
من هذا المنظور، لا يبدو تهديد سموتريتش مجرد حديث عن حرب محتملة، بل تعبيرا عن رغبة فى محو نتائج الانتصار المصرى الذى كسر أسطورة الجيش الذى لا يُقهر، وفرض واقعا جديدا بتضحيات المصريين.
أما زامير، فقد ربط بين إخفاق الجيش الإسرائيلى وأجهزته الأمنية فى السابع من أكتوبر 2023، وما جرى فى السادس من أكتوبر 1973؛ وفى هذا الربط إقرار بأن التفوق العسكرى والاستخبارى لا يمنح إسرائيل حصانة من المفاجأة، وأن الاستهانة بقدرات الخصم قد تتحول إلى ثغرة تهدد أمنها.
تصاعد الحديث الإسرائيلى عن الخطر المصرى، وربطه بإخفاق السابع من أكتوبر، يؤكد أن معاهدة السلام لم تغير الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه المنطقة التى تتعامل معها باعتبارها ساحة صراع مفتوح.
العقيدة الإسرائيلية لم تتغير؛ فالمصريون فى المخيلة الصهيونية لا يختلفون عن الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين وباقى الشعوب العربية. جميعهم «أغيار» وأعداء، والمواجهة معهم قادمة، عاجلا أو آجلا. ولم تعد إقامة «إسرائيل الكبرى» مجرد أحاديث متهافتة لبعض الساسة المتطرفين، بل باتت فكرة يتبناها مسئولون وأحزاب مشاركة فى الائتلاف الحكومى.
المفارقة أنه فى الوقت الذى يجاهر فيه قادة دولة الاحتلال بتهديد مصر، وينشر موقع الحكومة الإسرائيلية خريطة لإسرائيل تشمل أجزاء من دول الطوق، بما فيها مصر، لا تزال القاهرة تتمسك بالسلام بوصفه «خيارا استراتيجيا».
لا تقف محاولات الضغط على مصر عند حدود التصريحات، بل تمتد إلى التحركات المحيطة بها على مختلف المحاور الاستراتيجية؛ ففى الجنوب، كشفت تقارير صحفية عن اتصالات سرية بين مسئولين فى قوات الدعم السريع السودانية وإسرائيل خلال الحرب، بينها زيارات إلى تل أبيب، وفقا لما أورده موقع «أفريكا إنتليجنس» الفرنسى. وفى ظل تفكك السودان واستمرار الحرب، فإن أى تحرك خارجى يسهم فى إطالة أمد الصراع أو إضعاف الدولة السودانية ينعكس مباشرة على أمن مصر وحدودها الجنوبية.
وفى إثيوبيا، تتقاطع طموحات آبى أحمد فى الوصول إلى البحر الأحمر مع مخاوف مصر المتعلقة بأمنها المائى فى ظل أزمة سد النهضة. كما أن اعتراف إسرائيل بإقليم صوماليلاند الانفصالى يفتح الباب أمام توسيع حضورها عند مدخل البحر الأحمر، بما يضيف بُعدا استراتيجيا جديدا إلى التنافس على هذا الممر الحيوى المؤدى لقناة السويس والمؤثر على المصالح المصرية.
وعندما توضع هذه التحركات إلى جانب التهديدات المتعلقة بسيناء، وسياسات الاحتلال والتهجير فى غزة، تتضح ضرورة أن تنظر القاهرة إلى هذه الملفات باعتبارها تحديات مترابطة، لا أزمات منفصلة؛ فعزل مصر عن محيطها العربى، والضغط على أمنها الجنوبى، وتعقيد ملف مياه النيل، كلها مخاطر تستوجب اليقظة والاستعداد، لا الاكتفاء بالرهان على أن الاتفاقات وحدها كفيلة بتبديدها.
إذا كانت إسرائيل لا تزال تستحضر أكتوبر 1973 باعتباره إخفاقا استراتيجيا، وتنظر إلى السابع من أكتوبر 2023 بوصفه ضربة مؤلمة لمنظومة ردعها، فعلينا أن نستعيد دروس التاريخ؛ فلا أمن بلا قوة، ولا سلام مع كيان إرهابى يرتكب جرائم حرب، ولا مع كيان لا يتوقف عن الاستيطان والتوسع والضم والتهجير. ولا يجوز أن تتحول اتفاقية السلام إلى قيد على إدراك طبيعة التهديدات التى تمس أمننا القومى.
تقوم العقيدة الإسرائيلية على الاستعداد الدائم للصراع وفرض معادلات القوة وحدها؛ لذا لا بد أن تقابلها عقيدة مصرية واضحة ومعلنة، تقوم على الوعى والإدراك الكامل بأن أمن مصر لا ينفصل عن أمن فلسطين ومحيطها العربى. فالمنطقة لن تعرف استقرارا حقيقيا ما دام المشروع الصهيونى قائما، أما إذا استسلمنا لأوهام سلام لا يقيم العدو له وزنا، فستظل النتائج كارثية كما هى الآن.