حماية مياه النيل.. قوة التهديد وإرادة التنفيذ - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الأحد 27 سبتمبر 2026 8:07 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

حماية مياه النيل.. قوة التهديد وإرادة التنفيذ

نشر فى : الأحد 27 سبتمبر 2026 - 6:15 م | آخر تحديث : الأحد 27 سبتمبر 2026 - 6:15 م

بعد تجربة سد النهضة الإثيوبى المريرة، بدت المخاوف التى أثارتها تصريحات وزير الطاقة والسدود فى جنوب السودان، أغوك ماكور كور، بشأن استعداد بلاده للمضى فى مشروع «سد فولا» مشروعة ومبررة.

والحقيقة أن التوضيحات اللاحقة، كشفت أن حديث كور بأن بلاده «لا تخاف من مصر»، وأنها تستعد لبناء هذا السد، قد أُخرج من سياقه، فالمشروع ليس مفاجئا للقاهرة، حسبما أوضح وزير الرى هانى سويلم الذى أكد أن القاهرة وافقت ــ بعد دراسات فنية ــ على عدد من المشروعات التنموية فى حوض النيل، بينها سد فولا.

لكن ما جرى خلال السنوات الخمس عشرة الماضية جعل المصريين أكثر حساسية تجاه أى مشروع جديد على مجرى النيل؛ فمنذ شروع أديس أبابا فى بناء سد النهضة، توالت على مسامع المصريين عبارات الطمأنة وتبريد الأزمة من مسئولينا، الذين تعهدوا بأن السد لن يؤثر على حصة مصر من المياه، مع وعود بقرب التوصل إلى اتفاق قانونى عادل ينظم ملء السد وتشغيله. وانتهى الأمر باكتمال المشروع وتشغيله بصورة أحادية، حتى بدأنا بالفعل فى «الشرب من مياه البحر»، فتوسعت الحكومة فى مشروعات تحلية المياه وإعادة تدوير مياه الصرف، بدلا من التعامل مع الخطر الذى يهدد موردنا المائى الرئيسى. 

الأسبوع الماضى، حاول وزير الرى تهدئة المخاوف التى أثارها سد فولا، وأكد أن مصر لا تتعامل مع السدود بمنطق «الرعب»، وإنما وفق قواعد القانون الدولى والدراسات الفنية، وأن المشروعات التى وافقت عليها دول حوض النيل خضعت للمراجعة والتقييم.

وجدد سويلم، موقف القاهرة الرافض لشرعية سد النهضة بصورته الحالية، موضحا أن السد سيمنح إثيوبيا قدرة أكبر على التحكم فى مياه النيل خلال فترات الجفاف الممتد، لافتا إلى أن «مصر حاولت اتخاذ جميع الخيارات للتعاون مع إثيوبيا ولم نتمكن من الوصول لاتفاق، لكنها لن تسمح لها بالسيطرة على مفتاح الحياة للمصريين».

لم تعد تلك التصريحات وغيرها من تصريحات المسئولين كافية لتهدئة مخاوف المصريين؛ فقد استغرقت مفاوضات سد النهضة أكثر من عقد، وانتهت إلى طريق مسدود، إثر تعنت إثيوبيا ورفضها التوصل إلى اتفاق ملزم.

خلال تلك السنوات، أدركت أديس أبابا أن رد الفعل المصرى لن يتجاوز حدود الشجب والإدانة واللجوء إلى المنظمات القارية والدولية، فمضت فى بناء السد وتشغيله حتى تحول إلى أمر واقع.

أثبتت تجربة سد النهضة أن التفاوض لا يمكن أن يكون الأداة الوحيدة لإدارة قضية تمس أمننا المائى، وأن إطالة المفاوضات دون وجود إرادة لإلزام الطرف الآخر بمراعاة حقوقك ليست سوى إهدار للوقت.

وما يحدث فى الإقليم والعالم من حولنا يؤكد أن الدول لا تصغى طويلا إلى التحذيرات إذا لم تدرك أن إرادة التنفيذ حاضرة؛ فقوة الإرادة هى التى تجعل للتهديد حسابا؛ أما الاكتفاء بالاحتكام إلى القانون الدولى والمنظمات الدولية، فقد أثبتت التجارب أنه لا يمنع ضررا، ولا يردع متعديا، ولا يحمى حقا.

 وهنا يحضر درس تاريخى بالغ الدلالة؛ ففى عام 1956، وبعد تأميم قناة السويس، درست بريطانيا استخدام مياه النيل للضغط على جمال عبدالناصر حتى يراجع قراره، وناقشت إمكانية تقييد تدفق المياه من سد أوين فى أوغندا.

وحسب ما كشفت عنه وثائق نشرتها «بى بى سى» قبل سنوات، فإن وزارة الدفاع البريطانية حذرت من الإقدام على هذه الخطوة، خشية أن تعتبرها مصر عملا عدائيا وترد عسكريا، بما فى ذلك استهداف السد.

لم تُنفذ الخطة فى النهاية، لكن مجرد دراسة العواقب تكشف أن بريطانيا كانت تدرك أن العبث بمياه النيل قد يفتح مواجهة مباشرة مع مصر.

لم تكن مصر آنذاك تملك قدرات عسكرية تضاهى بريطانيا، لكنها كانت تملك إرادة سياسية واضحة، وتستطيع إقناع خصومها بأنها لن تقبل المساس بمصالحها الحيوية.

وتكرر الأمر نفسه فى سبعينيات القرن الماضى، عندما لوّح الرئيس أنور السادات بالحرب دفاعا عن مياه النيل، فى مواجهة خطط إثيوبية لإقامة سدود على النيل الأزرق.

استدعاء الماضى هنا هو من باب استخلاص الدروس والعبر؛ فلا يكفى أن تعلن الدولة أن أمنها المائى خط أحمر، إذا لم يقتنع الطرف الآخر بأنها تملك الإرادة السياسية لتحويل تحذيرها إلى فعل.

لقد أصبح سد النهضة أمرا واقعا نتيجة متوالية من الأخطاء وسوء تقدير الموقف، والخطأ الأكبر هو السماح بتكرار التجربة نفسها، لا سيما أن إثيوبيا أعلنت أنها بصدد إقامة ثلاثة سدود جديدة.

لن يعمل أحد حسابا لتحذيراتك أو تهديداتك إن لم يكن يوقن بأنها تعبر عن إرادة فعل.

محمد سعد عبدالحفيظ كاتب صحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين
التعليقات