المؤثرون والصحافة.. المعادلة اختلت! - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الأحد 8 نوفمبر 2026 9:04 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إقالة حسام حسن من القيادة الفنية للمنتخب الوطني؟

المؤثرون والصحافة.. المعادلة اختلت!

نشر فى : الأحد 8 نوفمبر 2026 - 7:35 م | آخر تحديث : الأحد 8 نوفمبر 2026 - 7:35 م

فى محاولة لإضفاء أهمية استثنائية على من يطلق عليهم «المؤثرون»، الذين التقى وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان عددا منهم الأسبوع الماضى، ذهبت بعض التقديرات إلى أن مجموع متابعيهم على منصات التواصل الاجتماعى يتجاوز 500 مليون متابع.

الرقم، الذى لم تدعمه دراسة أو استطلاع يوضح منهجية احتسابه، يبدو مغريا، لكنه لا يصلح وحده دليلا على حجم التأثير أو الانتشار؛ فجمع أعداد متابعى الشخص الواحد على منصات مختلفة، أو جمع متابعى عشرات الأشخاص الذين قد يتابعهم الجمهور نفسه، لا يعنى أننا أمام 500 مليون شخص مختلف. كما أن عدد المتابعين لا يكشف قيمة ولا تأثير المحتوى، ولا يقيس المشاهدة الفعلية أو التفاعل أو الثقة فيما يُقدم.

ولو اعتمدنا مقياس المتابعة ذاته، لوجدنا أن صفحات الترفيه والطبخ والمحتوى الإباحى تجتذب ملايين المتابعين، لكن ذلك لا يجعلها منافسا للصحافة أو بديلا عن دورها فى نقل الأخبار وتحليلها ومراقبة أداء السلطة ومساءلتها.

الأزمة أن البعض تعامل مع الرقم باعتباره إعلانا عن نهاية الصحافة، أو انحسار دورها لمصلحة جيش من مقدمى وصناع محتوى أصبحوا، وفق هذا التصور، المصدر الجديد للمعرفة وتشكيل الرأى العام.

لا يمكن، مع ذلك، تجاهل الظاهرة أو التقليل من أهميتها؛ فهناك صناع محتوى يقدمون أعمالا جادة تتطلب بحثا وإعدادا وتدقيقا، وتنجح فى الوصول إلى جمهور واسع.. اللافت أن عددا معتبرا من هؤلاء صحفيون محترفون، أو يستعينون بفرق من الباحثين والصحفيين فى إعداد محتواهم.

حتى الآن، لا توجد دراسة مصرية حديثة تحدد بدقة كيف يستهلك المصريون الأخبار، ونسبة اعتمادهم على المؤثرين مقارنة بالمؤسسات الصحفية؛ لكن هناك  دراسة لـ«الباروميتر العربى»، نشرت فى مايو الماضى، كشفت أن التلفزيون يمثل المصدر الرئيسى للأخبار لدى 45% من المصريين، مقابل 43% لوسائل التواصل الاجتماعى. وهى نتيجة تؤكد صعود المنصات الرقمية، لكنها لا تعنى أن الجمهور هجر الصحافة؛ فالمنصات نفسها تضم صفحات الصحف والقنوات وحسابات الصحفيين والمذيعين.

وعلى المستوى العربى، أظهر مؤشر الرأى العام العربى لعام 2025، الصادر عن المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات، أن نصف مستخدمى التواصل الاجتماعى يتابعون حسابات المؤثرين بدرجات متفاوتة، لكن 57% ممن يتابعونهم لا يرون أنهم يتأثرون بما ينشرونه. والأكثر دلالة أن المؤشر سجل أدنى مستويات الثقة فى الأخبار والمعلومات المنشورة على حسابات المؤثرين والمشاهير، مقارنة بصفحات القنوات الإخبارية والصحفيين والإعلاميين.

وفى الولايات المتحدة، حيث تتقدم صناعة المحتوى الرقمى، أظهر استطلاع مركز بيو للأبحاث لعام 2025 أن 21% من الأمريكيين يحصلون بانتظام على الأخبار من المؤثرين، ترتفع النسبة إلى 38% بين الشباب من 18 إلى 29 عاما. لكن الدراسة كشفت أيضا أن 77% من هؤلاء المؤثرين ليست لديهم خلفية مهنية أو ارتباط بمؤسسة إخبارية.

ومع ذلك، لم تنته الصحافة الأمريكية، رغم أزمتها الاقتصادية والمنافسة الشرسة والتدخلات السياسية فى عهد ترامب.

لكن الفارق بين التجربتين كبير؛ فالولايات المتحدة جاءت فى المركز 64 بمؤشر حرية الصحافة لعام 2026، بينما تراجعت مصر إلى المركز 169 من بين 180 دولة.

وهنا نصل إلى جوهر الأزمة المصرية؛ فالصحافة لا تنافس صناع المحتوى فى سوق متكافئة، وإنما تدفع فاتورة حصار سياسى وتشريعى ممتد، أفقد مؤسساتها القدرة على الاشتباك مع قضايا المجتمع، والوصول إلى المعلومات، وممارسة دورها الرقابى.

والمعادلة التى يعرفها الجميع، لكن البعض يتجاهلها عمدا، هى أنه كلما ضاقت مساحة الحرية، تراجع تأثير الصحفيين، وفقدت المؤسسات قدرتها على إنتاج محتوى جاذب، بينما تتسع المساحة أمام بدائل لا تخضع لقواعد التحقق والتدقيق والمساءلة المهنية. وهنا مكمن الخطر؛ إذ يتيح غياب الضوابط المهنية للمؤثرين الوصول إلى شرائح واسعة من الجمهور بسرعة أكبر، بما قد يجعل هذه الفئات أسيرة لما تقدمه منصاتهم.

ولا يعنى ذلك أن استعادة الجمهور ستتحقق بمجرد رفع القيود، أو أن التمسك بالأدوات القديمة يكفى لمواجهة التحولات الرقمية المتسارعة، فالمؤسسات مطالبة بتغيير طريقة إنتاج المحتوى، وتدريب الصحفيين على الوصول إلى الأجيال الجديدة، دون التفريط فى قواعد المهنة.

أخيرا.. قد لا يكون المستقبل للصحافة بصورتها النمطية الراهنة، لكنه بالقطع لا يمكن الاستغناء فى أى وقت عن الصحافة بوصفها مهنة للبحث والتحقق والتفسير والمساءلة؛ فالجمهور قد ينجذب إلى صانع محتوى بسبب خفة الظل أو سرعة العرض أو إثارة الغرائز، لكنه سيظل فى حاجة إلى من يقدم له معلومة موثوقة، ويفسر له ما وراء الخبر، ويكشف ما تحاول السلطة إخفاءه.

الصحافة لم تخسر جمهورها لأن هناك من ينافسها على المنصات الجديدة، وإنما خسرته حينما فقدت قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، وعجزت مؤسساتها عن تطوير نفسها.

محمد سعد عبدالحفيظ كاتب صحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين
التعليقات