فـــى مواســـم الــــزرع ..النيـل ووصيتـــه للفــلاح - عادل سليمان - بوابة الشروق
الأحد 8 نوفمبر 2026 9:04 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إقالة حسام حسن من القيادة الفنية للمنتخب الوطني؟

فـــى مواســـم الــــزرع ..النيـل ووصيتـــه للفــلاح

نشر فى : الأحد 8 نوفمبر 2026 - 7:25 م | آخر تحديث : الأحد 8 نوفمبر 2026 - 7:32 م

«وكعادة كل يوم، وبعد عمل يوم طويل وشاق، يقترب من النهر، يشرب من مائه العذب. ثم يلقى بجسده وهمومه على صفحة مياهه. ويترك نفسه لأمواجه الحانية، تغسل روحه وبدنه على حد سواء. ثم يجلس يبث شكواه إلى النهر. والنهر يسمعه وينصت إليه، بعقل واعٍ، ويتعاطف معه بقلب المحب. ولا يتركه إلا وقد انزاح همه، وانشرح صدره. وتلك عادة جميلة، توارثها الفلاح أبًا عن جد. كلما أحزنه شىء وضاق به صدره، لجأ إلى النهر، لكى تذهب أحزانه».

• • •

ومع إشراقة شمس هذا اليوم، بداية مواسم الزرع وبذر الحب. تبدلت الأحوال، فقد بادر الصابر الصامت «النهر» ليس بالشكوى، ولكن بالنصح والوصايا الغالية للفلاح، لكى يدوم الحال، ويستمر جريان الخير، فيقول النيل للفلاح: من أجلك يا صديق «قطعت آلاف الأميال، وقهرت وعورة الجبال، وصلابة الجنادل وقسوة الصخور، وضحالة المناقع وجفاف الصحارى. وفى الوقت الذى تجف فيه أنهار الدنيا، آتيك أحمل لك سر الحياة، فأنا رسول أفريقيا إليك، أنا رسول الخير». وفى موسم زرعك، لك كل الأمانى الطيبة بحصاد جيد وزرع وفير، بفضل مجهودك وعرق جبينك. ولكن لك بعض الوصايا. فانصت إلىَّ كما كنت أنصت إليك. وكما لم أخذلك فى الماضى، فلن أخذلك اليوم وكل يوم. ولن يستطيع أحد منعى من الوصول إليك ما دام مائى ينزله رب السماء.

• • •

الوصية الأولى: أنا ليس مجرى مائى، أنا ذاكرة مصر

عزيزى الفلاح، إذ اقتربت كعادتك منى، فإنك لا ترى مجرى مائيًّا، ولكن ترى فيضًا فضيًّا قادمًا من الجنوب مهاجرًا إلى الشمال، متجددًا دائمًا، خالدًا دائمًا، فأنا أصل الحياة وسرها. والصلة واضحة بين الماء والنماء، بين المياه والحياة (1). فأنا بلا فخر حملت القوارب والحبوب، والأحجار والعمران، وحملت الجيوش، حتى الأفكار والأحلام، والقصائد والأشعار التى تغنت بى أو أُلهمت بها. فانظر ــ صديقى الفلاح ــ إلى ساكنى ومحبى تجدهم شعراء ومبدعين وكتابًا ومفكرين، تحلقوا حولى، فتفجرت ينابيع الإلهام حولهم. ففى أعماقى تختبئ حكاياتى عن الفيضان والجفاف، عن الخوف والرجاء، عن مقاييس المياه، وعن السدود والقنوات، وعن القرى وناسها، وعن الزرع والضرع، فكل كائن حى يعيش فى موعد مع النهر فى فيضانه وانحساره، فى فيضه وغيضه. فلذلك أوصيك: اعرف قيمتى وارفع قدرى عندك لكى يستمر العطاء.

• • •

الوصية الثانية: أحمل إليك الخير، فلا تجعلنى أحمل إليك الشر، لا تلوث مائى.

فالنهر يحمل الخير من ماء وغرين وأسماك وطمى جديد لخصوبة الأرض، لكى ترتفع السنبلة بالخير ويكتنز الضرع بالحليب. فكيف أحمل إليك كل هذا الخير؟ ثم تلوث مائى، فتجعل الماء العذب الفرات شيئًا تعافه الأنفس. أحمل لك الخير، فلا تجعلنى أحمل إليك السم، بإلقاء المخلفات على صفحة مائى الرقراقة. فكان جدك يبرئ نفسه أمام قضاة محكمة الآخرة بأنه «لم يلوث ماء النهر ولم يمنعه من الجريان لحقل جاره». وانظر إلى صلوات إخناتون: «إلهى وهبت المطر لشعوب الجبال، أما النيل فقد وهبته لمصر وحدها». والمصرى القديم نقش على الحجر الصوان وعلى جدران المعابد والمقابر رموز النيل وعظمها، بل قدسه ورفعه إلى مرتبة الألوهية «الإله حابى»، وأقام له الاحتفالات والأعياد، ونسج حوله الأساطير، بأن «إيزيس قد بكى أخاه أوزوريس، فسقطت دمعة ففاض النهر بالخير». وكان المسيحيون المصريون يتلون من أجل النيل «أوشية المياه» فى الكنائس حتى يفيض النهر بالخير، ونقش المسلمون آيات القرآن الكريم على جدران المكابس، وكانوا يصلون صلاة الاستسقاء من أجل زيادة مياه النيل (2). وقد ارتقى بنا الحس الدينى، فأصبح الماء الجارى هو الذى يعد الإنسان للقاء الله فى الصلاة (3).

• • •

الوصية الثالثة: لست ملكًا لك وحدك، ولكن ملكًا لأجيال قادمة.

يقول شاعر مصرى قديم على جدران المعابد: «النيل أعظم من البحر، نعم البحر منبع اللؤلؤ والمرجان. ولكن النيل مياهه عذب فرات للظمآن، وينبت القمح والشعير، وما دام الناس لا يشربون اللؤلؤ ولا يأكلون الجوهر الحر، فقطرة الماء وحبة الشعير أفضل».

حقًّا، كم تساوى قطرة ماء لظمآن يمتلك كنوز الدنيا، وتقطعت به السبل فى مكان موحش لا زرع ولا ماء؟ فبكم يبتاع جرعة ماء؟ وكم تساوى لديه إن وجدها؟ تساوى حياته. فلذلك أنا لم آت إليك لأمنحك موسمًا واحدًا، إنما جئت لأحمل لك الحياة جيلًا إلى جيل. عاش الأجداد على ضفاف النهر، وسوف يعيش الأبناء. كنت آتيك قديمًا بكثير من الماء، فلا تظن أن الكثرة سوف تدوم وتستمر إلى الأبد. فقطرة الماء التى تضيع ليست قطرة عابرة، إنها جزء من حاضر ومستقبل أجيال قادمة جيلًا بعد جيل. فلا تهدر الماء، فكما حافظ عليها أجدادك قديمًا، ووصلت إليك، فحافظ عليها لأبنائك وأحفادك.

• • •

الوصية الرابعة: لم يعد السؤال كم من الماء نملك، بل أصبح السؤال الأهم كيف نستفيد من كل قطرة ماء أقصى استفادة؟

الاستفادة القصوى وتعظيم ما يجود به النهر من ماء للزراعة، والتى تستحوذ على نصيب الأسد من ماء النيل، 73% لقطاع الزراعة وحدها، و27% للصناعة ومياه الشرب. فيا صديقى الفلاح، عليك باختيار المحصول الأمثل الذى لا يتطلب كثيرًا من الماء، وذلك يوفر فائدة مزدوجة لنا. تستفيد أنت يا صديقى بتوفير الجهد والمال -وأستفيد أنا النهر- بعدم الجور على مائى وتوفيره للسنوات القادمة، أو الاستفادة به فى استصلاح أراضٍ جديدة وتقليل فاتورة الاستيراد للسلع الغذائية، أو الاستفادة بها فى مجال الصناعة ومياه الشرب. ازرع يا صديقى الفلاح بما ينصح به خبراء الزراعة والرى، بالأخذ بأساليب الرى الحديثة التى توفر كميات كبيرة من المياه، أو الزراعة على «مصاطب»، وهى فكرة جيدة لتوفير المياه وتحسين جودة التربة، ينصح بها خبراء الرى والزراعة. كثرة استخدام المياه تخرب الأرض، وتحدث لها عملية «تطبيل»، بأن تفقد الأرض خصوبتها على المدى البعيد.

• • •

الوصية الخامسة والأخيرة: اقرأ ما كُتب عنى أو عن من قام بمشروعات من أجلى.

صديقى الفلاح، لقد كُتب عنى وذُكرت بالخير فى الكتب المقدسة الثلاث: التوراة والإنجيل والقرآن. فأنا النهر الوحيد المذكور فى الكتب المقدسة. أما فى الحضارة الفرعونية القديمة، فكانت تقام الاحتفالات والأعياد، وقد كتب عنى المؤرخ هيرودوت بأن «مصر هبة النيل». أما القائد العربى «عمرو بن العاص»، فاعلم يا أمير المؤمنين أن مصر تربة غبراء، وشجرة خضراء، يخط وسطها نهر مبارك الغدوات، ميمون الروحات، يجرى بالزيادة والنقصان كجرى الشمس والقمر.. إلخ. أما الباحث عن المجد على ضفاف النيل، القائد الفرنسى نابليون، فقال عنى: «أن النيل رسول الخير، رسول إفريقيا، والصحراء رسول الشر. يكتسب النهر من الصحراء بفعل إدارة رشيدة، وتكتسب الصحراء من النهر بفعل إدارة رديئة». أما محمد على باشا وبنوه إبراهيم وإسماعيل، فقد اعتنوا بالنهر بإقامة مشروعات كسدود وقناطر وشق ترع من أجل الحفاظ على كل قطرة ماء والاستفادة العظمى منها فى الزراعة. أما المؤرخ الألمانى لودفيج، فقد سأل فلاحًا مثلك: كيف يصنع عندما يكيد الإنجليز بإقامة السدود على النهر فى السودان، والتى كانت تحت الحكم الإنجليزى؟ فنظر الفلاح الطيب إلى السماء وقال: «يحاولون أن يسلبوا منا ماء النهر، ولكن الله وهبنا نيلًا ليجرى حتى يبلغ حقل الفقير فيرويه». فلم يملك لودفيج إلا أن هتف متعجبًا: «ما من إله غير الله، غير أن الفلاح فى مصر يؤمن بنهر يكرر سخطه ورضاه من قلب إفريقيا. فلم يتردد لودفيج من أن يجعل النيل من أديان الشرق، دينًا رابعًا مقتبسًا من الحياة وموجهًا لها (4)».

• • •

أما الشاعر الكبير أحمد شوقى، والذى سكن بالقرب منى، فقد أبدع قصيدة سماها «النيل»، أجمل وأرقى ما كتب عنى، ثم أتبعها بقصيدة مغناة لموسيقار الأجيال فى مصر محمد عبد الوهاب «النيل نجاشى». أما العالم الجغرافى جمال حمدان، فقد وضعنى فى البعد الثالث من الأبعاد الأربعة لمصر «لأن مصر هى النيل، أو أن النيل هو مصر، فما من رابط لمصر أقوى وأعمق من النيل، ولهذا كان حقًّا وحتماً أن يجىء البُعد النيلى فى طليعة أبعادنا الأربعة».

وأخيرًا، صديقى الفلاح، لا يمكن لك أن تنسى هذا الزعيم الذى كافح من أجل إقامة المشروع الأكبر والأعظم على نهرى: السد العالى. وكانت فترة الجفاف التى خربت دول المنبع فى بداية الثمانينيات من القرن الماضى، هو المحامى البليغ الذى دافع عن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر ومشروعه الأكبر، السد العالى، والذى حمى مصر وما زال يحميها فى فترات الفيضان والجفاف. صديقى الفلاح، كل مواسم الخير لك. وكل عام نلتقى سويًّا على الخير، ولن يمنعنى أحد من اللقاء بك.

المصادر:

(1) كامل زهيرى: كتاب النيل فى خطر.

(2) دكتورة نعمات أحمد فؤاد: مقال النيل هو مصر، جريدة الشعب، أكتوبر 1980.

(3) كامل زهيرى: المرجع نفسه.

(4) المؤرخ الألمانى لودفيج: كتاب النيل حياة نهر.

معد برامج بتليفزيون الصعيد

 

عادل سليمان معد برامج بتلفزيون الصعيد
التعليقات