لم يعد أمن الطاقة قضية اقتصادية ترتبط بتوفير النفط والغاز وضمان تدفقهما إلى الأسواق العالمية، بل أصبح عنصرًا أساسيًا فى معادلات الأمن القومى والاستقرار السياسى فى الشرق الأوسط، فالمنطقة بما تمتلكه من احتياطيات ضخمة وموقع جغرافى استراتيجى، تؤدى دورًا محوريًا يساعد على استقرار الاقتصاد العالمى، الأمر الذى يجعل منشآتها النفطية وممراتها البحرية عرضة للصراعات الإقليمية والدولية. ومع تصاعد التوترات السياسية والعسكرية إقليميًا وعالميًا، تتزايد المخاوف من انعكاس أى اضطراب فى إمدادات الطاقة على الأسعار العالمية وعلى معدلات التضخم وعلى النمو الاقتصادى، ولهذا فإن حماية مصادر الطاقة وطرق نقلها لم تعد مسئولية الدول المنتجة وحدها، وإنما أصبحت قضية دولية تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والحسابات الأمنية والتوازنات السياسية، بما يجعل استقرار المنطقة مرتبطًا بقدرتها على إدارة هذه التحديات مجتمعة.
يحتل الخليج العربى مكانة استراتيجية فى معادلة أمن الطاقة العالمية، نظرًا إلى حجم إنتاجه من النفط والغاز وأهمية الممرات البحرية التى تمر عبرها كميات كبيرة من إمدادات الطاقة، ويأتى مضيق هرمز فى مقدّمة هذه الممرات، باعتباره شريانًا حيويًا للتجارة الدولية، إذ يمكن لأى اضطراب فى حركة الملاحة فيه أن يثير مخاوف واسعة بشأن توافر النفط وارتفاع أسعاره، كما أن التهديدات التى تستهدف المنشآت النفطية أو السفن التجارية قد تتجاوز آثارها حدود الدول المعنية، لتنعكس على الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد، وفى ظل هذه المعطيات تبرز أهمية تعزيز التعاون الأمنى بين دول الخليج، وتطوير قدراتها الدفاعية، وحماية البنية التحتية للطاقة، إلى جانب اعتماد الدبلوماسية وسيلة لاحتواء الأزمات ومنع تحوّل الخلافات السياسية إلى مواجهات تهدّد المصالح المشتركة.
ولو نظرنا للدول المستوردة للطاقة لوجدنا أن تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة تطال مختلف مفاصل الاقتصاد العالمى، إذ يؤدى ارتفاع تكاليف الوقود إلى زيادة نفقات النقل والإنتاج والتصنيع، كما يرفع تكاليف الكهرباء والسلع والخدمات فى العديد من الأسواق، ومع استمرار هذه الضغوط، تتزايد احتمالات ارتفاع معدلات التضخم، وتواجه الشركات تحديات إضافية فى الحفاظ على مستويات الإنتاج والقدرة التنافسية، ومن ثم فإن التوترات العالمية لا تبقى محصورة فى ساحات الصراع، بل تنتقل آثارها إلى حياة المجتمعات عبر بوابة الطاقة، الأمر الذى يجعل خفض التصعيد مصلحة اقتصادية دولية تتجاوز حدود الدول المتنازعة.
وفى هذا السياق تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها أحد الفاعلين الرئيسيين فى منظومة الطاقة العالمية، بفضل قدراتها الإنتاجية ومكانتها فى أسواق النفط، فضلًا عن دورها فى دعم استقرار الإمدادات وتعزيز التعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة، وتكتسب جهود تنويع الاقتصاد السعودى أهمية إضافية بسبب إسهامها فى تقليل الاعتماد على النفط، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وخلق فرص استثمارية جديدة، بما يعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة التقلبات العالمية، كما أن الاستثمار فى الطاقة المتجددة والتقنيات الحديثة ورفع كفاءة الاستهلاك يتيح بناء منظومة أكثر تنوعًا واستدامة، ولا يعنى التحوّل فى قطاع الطاقة التخلى عن قطاع النفط والغاز، بل يعنى الاستفادة من عوائده فى بناء اقتصاد أكثر مرونة، ومن شأن هذا النهج أن يدعم الاستقرار ويعزز القدرة على الإسهام فى أمن الطاقة الإقليمى والدولى.
لا شك أن مستقبل الاستقرار العالمى سيظل مرتبطًا بالقدرة على تحويل الطاقة من مصدر للتنافس والصراع إلى مجال للتعاون والتنمية المستدامة، وهو ما يتطلب بناء تفاهمات إقليمية ودولية تحمى البنية التحتية الحيوية، وتضمن سلامة الممرات البحرية، وتحد من استخدام إمدادات الطاقة كأداة للضغط السياسى، كما يستدعى تعزيز الحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة، وتطوير آليات مشتركة للاستجابة للأزمات، وتنويع مصادر الطاقة بما يقلل مخاطر الاعتماد على مسارات محدودة، وفى الوقت نفسه ينبغى ألا تنحصر سياسات أمن الطاقة فى الاعتبارات العسكرية، بل يجب أن تشمل التنمية الاقتصادية، والأمن المائى والغذائى، وحماية البيئة، ورفع كفاءة المؤسسات، فالاستقرار الحقيقى لا يتحقق بمجرد استمرار تدفق النفط والغاز، وإنما ببناء بيئة سياسية واقتصادية قادرة على احتواء الأزمات. وعندما تتقدّم المصالح المشتركة على حسابات المواجهة، تصبح الطاقة جسرًا للتعاون لا وقودًا للصراعات.
محمد مفتى
جريدة عكاظ السعودية