نشرت جريدة الخليج الإماراتية مقالا للكاتب حسن مدن، يوضح فيه أن العمل الإبداعى أو الفكرى للكاتب لا يقتصر فقط على المنتج النهائى المطبوع، بل يشمل رحلة التفكير بأكملها؛ بما فيها المسودات الأولية، الأفكار غير المكتملة، الخيارات المستبعدة، ومراحل التعديل والتنقيح التى تتوج بالنشر وتُمنح بعدها للنص حياته المستقلة عن مؤلفه.. نعرض من المقال ما يلى:
فى جعبة الكاتب، إلى جانب الكتب والمقالات التى ترى النور، أفكار لم تكتمل ومسودات أولية قد لا تجد طريقها إلى النشر. يدونها فى لحظات الصفاء أو استعادة الذكريات، أو يستلهمها من قراءة أو محاضرة أو حوار عابر، محتفظا بها على أمل أن تجد مكانها فى مشروع كتابى قادم.
لا يشترط أن يجمع بين هذه الأفكار رابط واضح، بل قد تبدو متناقضة أحيانا. إنها أشبه بمخاض ذهنى تتفاعل فيه التصورات، وتتجاور فيه الاستنتاجات الأولية مع الأسئلة التى لم تجد جوابا بعد. وما يبدو اليوم شذرات متفرقة قد يصبح، بعد حين، جزءا من بناء أكثر اكتمالا. ولعل هذا ما يجعل الأفكار التى لم تنضج بعد جزءا من العمل نفسه، حتى إن لم تظهر فى صورته النهائية.
يشبه الكاتب فى ذلك لاعب الشطرنج الذى لا يقتصر تفكيره على النقلات التى نفذها، بل تشمل لعبته أيضا النقلات التى فكر فيها ثم عدل عنها. فالتفكير فى الاحتمالات، وموازنة الخيارات، والتراجع عن فكرة لم تعد مقنعة، كلها عناصر تسهم فى الوصول إلى الخطوة التى تستقر عليها اليد أخيرا.
اكتمال العمل لا يعنى أن علاقة الكاتب به تنتهى عند هذا الحد. ما أكثر ما نسمع أو نقرأ عن أعمال أدبية أو فكرية أنفق كتّابها سنوات فى إنجازها، حيث تخضع للتنقيح والإضافة والحذف والتعديل، إلى أن تبلغ اللحظة التى تصبح فيها كتاباً، بعد أن أصبحت المخطوطة فى عهدة دار النشر.
عندئذ، يحدث ما يشبه إطلاق سراح النص من أسر صاحبه، فما دام مخطوطا، يظل الكاتب قادرا على مراجعته وإعادة تشكيله، لكن صدوره كتابا مطبوعا يمنحه حياة مستقلة، ويضعه أمام قراء قد يتلقونه على نحو يختلف تماما عما تصوره مؤلفه.
وهنا يبرز الفرق بين الكتابة الإبداعية والبحثية، فالباحث يستطيع أن يستدرك أخطاءه أو يراجع استنتاجاته فى طبعات لاحقة، مستفيدا من معطيات جديدة، بينما يظل النص الأدبى، فى الأصل، مرتبطا بصورته الأولى التى عرفه بها القراء.
هكذا، لا يقتصر منجز الكاتب على ما كتبه بالفعل ونشره، بل يمتد إلى الأفكار التى استبعدها، والاحتمالات التى تراجع عنها، والتعديلات التى لم يعد بوسعه إجراؤها بعد النشر، فما لم يكتمل يظل، بطريقة خفية، حاضرا فيما اكتمل.