لا يقاس هذا التنافس بميزان واحد، فالمنظومة طبقات متراكبة (مواد خام، ومعدات تصنيع، ورقائق، وحوسبة، ونماذج، وتطبيقات، ومعايير)، ولكل طبقة منطقها، وقد يتفوق طرف فى واحدة، ويتفوق عليه فى التى تحتها.
يتركز التفوق الأمريكى فى الطبقات العليا. فمؤشر ستانفورد يظهر فارقًا هيكليًّا فى رأس المال، نحو 109 مليارات دولار استثمارًا خاصًا فى الولايات المتحدة مقابل 9.3 مليار فى الصين خلال العام 2024، إذ يتيح هذا العمق تحمل تكلفة التجريب الفاشل التى لا غنى عنها فى أبحاث الحدود. وتحتفظ الجامعات الأمريكية بقدرة استقطابية لا نظير لها. أما الركيزة الأصلب فهى التحكم فى العقد الحاسمة لسلاسل أشباه الموصلات (أدوات التصميم، ومعدات الطبع الضوئى فائق البنفسجية، والبرمجيات المرافقة). وقد سعى قانون الرقائق والعلوم 2022 إلى تعزيز هذا الموقع بنحو 280 مليار دولار فى مجموعه، خصص منها لأشباه الموصلات 52.7 مليار، بينها 39 مليار حوافز تصنيع، وهو تمييز يفصل بين قراءة تبالغ فى حجم التدخل الصناعى الأمريكى وأخرى تقدره بحجمه الفعلى.
فى المقابل ترسخ الصين موقعها فى الطبقات القاعدية والتطبيقية. فهى تستأثر بما بين 85 و90 فى المائة من قدرة معالجة المعادن الأرضية النادرة عالميًا، وبنحو 92 فى المائة من إنتاج المغانط الدائمة، مع هيمنة شبه كاملة على المعادن الثقيلة كالديسبروسيوم والتربيوم؛ أى أنها لا تقف فى طبقة من المنظومة، بل تحت المنظومة كلها، بما فيها الأمريكية. وتقدمت إلى الصدارة فى براءات اختراع الذكاء الاصطناعى وفى حصتها من الأوراق الأكثر استشهادًا، فانتقلت من موقع المقلد إلى موقع المنتج للمعرفة الأساسية. وتستقبل نحو 54 فى المائة من الروبوتات الصناعية المثبتة سنويًا فى العالم، وتشغل أكبر شبكة من الجيل الخامس، ووضعت مبادرة «AI+» هدفًا كميًّا لاختراق الذكاء الاصطناعى فى الاقتصاد بنسبة 70 فى المائة بحلول العام 2027 و90 فى المئة بحلول العام 2030.
ومن يرى القوة فى ريادة الحدود يرجح الطبقات العليا، لأن المبتكر يفرض المعيار، ومن يراها فى الاعتماد الفعلى يرجح القاعدة، لأن من تعتمد عليه الصناعات لا يستبدل بقرار. والأصح أن الطبقتين مترابطتان بعلاقة ردع لا تفاضل، فالطبقات العليا لا تعمل بلا مواد من القاعدة، القاعدة لا تنتج قيمة عالية بلا أدوات من القمة.
طبقة جديدة.. تعريف الخطر وإدارته
تداخل فى أواخر سبتمبر 2026 حدثان تمثلا فى كلمة لترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 22 منه، وقمة ثنائية مع الرئيس الصينى شى جين بينغ فى 25 منه، كشفا أن التنافس ارتفع إلى طبقة جديدة هى تعريف الخطر وإدارته؛ فمن يعرف الخطر يحدد ما يجب ضبطه، ومن هو المؤتمن على ضبطه.
فقد أعلن ترامب استبدال تسمية «الذكاء الاصطناعى» بـ «الذكاء الفائق» فى الوثائق الرسمية. لكن الأمر لا يتوقف عند التسمية، إنما عند إدارة المخاطر. وهنا يتباين الموقفان، حيث رفض ترامب أى «مخطط عالمى» لضبط التقنية، وأعلن أنه لن يكبح نموها، لأن التقييد يعيق بلاده ويمنح الأفضلية للصين، وحصر الضبط فى القضاء الأمريكى عبر وزارة العدل، خاتمًا بأن «من يفوز بسباق الذكاء الفائق يفوز بالسباق». أما شى جين بينغ فركز على المسئولية المشتركة وبقاء التقنية خاضعة للإشراف البشرى، داعيًا إلى توجيهها للصالح العام وتجنب سباق تسلح مدمر. وبذلك تعرض بكين الحوكمة حين يعرض الآخر القدرة.
ومع ذلك خرجت القمة بآليتين لا بإطار: الأولى حوار ثنائى فى الفوائد والمخاطر بجولة مقبلة قبل نوفمبر 2026، والثانية قناة اتصال مباشرة للإبلاغ عن الحوادث الخطيرة كالاختراقات الكبرى وخروج الأنظمة عن السيطرة. أى أن الطرفين اتفقا على إدارة المخاطر لا على القواعد؛ فالخط الساخن آلية ردع لا حوكمة، ولا ينشأ بين متعاونين عادة، إنما بين خصمين يدرك كل منهما أن الخلل فى جانبه يصيب الآخر.
المآلات ومؤشراتها الرصدية
تبقى الصين المنافس الوحيد، فلا طرف ثالث يجمع القدرة الصناعية والحجم الاقتصادى والإرادة السياسية؛ فالاتحاد الأوروبى، على تقدمه التنظيمى، يفتقر إلى شركات عملاقة ويعتمد على واشنطن دفاعيًا ورقميًا، والهند لاعب صاعد متأخر فى البنية الصناعية العميقة. لكن هذه المنافسة تختلف جوهريًّا عن الحرب الباردة، فهى ليست صراعًا أيديولوجيًا بين رأسمالية وشيوعية، بل هى صراع على أنموذج حوكمة التكنولوجيا، وكان المعسكران وقتها منفصلين اقتصاديًا؛ أما المتنافسان اليوم، فهما على تشابك فى سلاسل القيمة نفسها. وهذا التشابك هو مصدر الردع المتبادل.
وتتوزع المآلات على أربعة سيناريوهات، ثلاثة تتنافس داخل القواعد القائمة، ورابع يقع خارجها.
• الأول، وهو الأرجح: ثنائية قطبية بحسب الأسواق، لا بحسب الجغرافيا السياسية، حيث تحتفظ واشنطن بالأسواق المتقدمة والتقنيات الطليعية، وترسخ بكين موقعها فى الأسواق النامية والتطبيقات الواسعة، فيتشكل عالم رقمى بمعايير متباينة. ومؤشره الحاسم مسار معايير الجيل السادس داخل الاتحاد الدولى للاتصالات، فانقسامها إلى منظومتين متوازيتين أوضح دليل على تحقق الانقسام فى أحسم الطبقات. وأفقه بين العامين 2027 و2030.
• الثانى: تعادل استراتيجى ممتد، تحقق فيه الصين اكتفاءً فى التقنيات الحرجة، من دون أن تدرك الشوط الأمريكى فى البحث الأساسى، فتصير المنافسة استنزافًا طويلًا بلا حسم. ويرصد بمؤشرين متلازمين هما: حصة الإنتاج المحلى فى رقائق الذكاء الاصطناعى، والتقدم فى تطوير معدات الطبع الضوئى محليًّا. والأول وحده لا يكفى، فارتفاع الإنتاج المحلى مع بقاء المعدات مستوردة هو اكتفاء هش. وأفقه بين 2028 و2032.
• الثالث: احتواء ناجح للصعود الصينى، تنجح فيه واشنطن فى إعادة التصنيع وتمتين تحالفاتها، مقابل فشل صينى فى كسر احتكار المعدات. والمؤشر الحاسم هنا ليس فى بكين، إنما فى المعسكر المقابل، أى بقاء تحالف المعدات بين اليابان وهولندا وكوريا وتايوان متماسكًا من دون انشقاق تدفع إليه الحسابات التجارية لشركاته، فالاحتواء يعمل بالشركاء، لا بالانفراد، وانفراط عقدة واحدة يفرغه من مضمونه. وأفقه حتى العام 2030.
• أما الرابع، فاحتماله ضعيف وأثره هائل. ففيه يحقق أحد الطرفين قفزة تجعل الآلة قادرةً على الابتكار بنفسها، فيتسارع تقدمه ذاتيًّا ويعجز الآخر عن اللحاق. ومؤشره أن تنتقل النماذج من معاونة الباحث إلى إنتاج الفرضيات واختبارها. ولا موعد محدد له، لأنه لا يرجح سيناريو، إنما يلغى السيناريوهات كلها ويفقد مؤشراتها دلالتها.
ويبقى الترجيح رهنًا بأربعة عوامل، لكل منها وجهان: اختبار على بكين وآخر على واشنطن:
1. عقدة معدات الطبع الضوئى: فعلى الجانب الصينى، السؤال هو النجاح فى بديل محلى عامل يكسر الاحتكار فى أهم حلقة من السلسلة؛ وعلى الجانب الأمريكى، السؤال هو القدرة على إبقاء العقدة مغلقة، مع أن المعدات ليست أمريكية الصنع، وأن الضغط التجارى يعمل باستمرار على تخفيف القيود.
2. تماسك التحالفات واستمرارية السياسات: لا تفعل الضوابط إلا بتنسيق متصل بين واشنطن وحلفائها فى أوروبا وشرق آسيا، وأى انشقاق أو تبدل فى الأولويات، مع تغير الإدارات، يفرغها من فعاليتها. وفى المقابل، تعمل بكين على توسيع الشقوق بما تملكه من حجم سوق وقدرة على تقييد صادراتها من المعادن الحرجة.
3. مضيق تايوان، وهو الأثقل أثرا: إذ يجعل تركز معظم الإنتاج العالمى للرقائق المتقدمة فى جزيرة واحدة المنظومة هشة أمام أى اضطراب، وهذا هو العامل الذى لا يملك أى من الطرفين حصيلته، وتقع تكلفته على كليهما.
4. القيود البنيوية الداخلية: فالصين تواجه تباطؤ النمو بالمقارنة مع عقد الألفيتين، وضغطًا عقاريًا، وشيخوخة سكانية تقيد قدرتها الاستثمارية طويلة الأجل. وأمريكا تواجه قيودًا من نوع آخر: سقوف الطاقة والشبكة الكهربائية أمام توسع مراكز الحوسبة، ونقص العمالة المختصة فى المصانع الجديدة، وسؤال مفتوح عن استدامة هذا حجم الإنفاق الرأسمالى.
أخيرًا، فإن ما يستحق الانتباه ليس أى المنظومتين تتقدم، بل إن الخط الفاصل انتقل من بين الكتلتين إلى داخل كل بلد، بين من يشغل ومن يستضاف.
نديم منصورى
مؤسسة الفكر العربى
النص الأصلى: https://tinyurl.com/c5eh85zk