حكمة «الرئيس المؤمن» - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الأحد 1 نوفمبر 2026 8:09 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اقتصار الدراسة بالمدارس على الفترة الصباحية؟ -

حكمة «الرئيس المؤمن»

نشر فى : الأحد 1 نوفمبر 2026 - 6:45 م | آخر تحديث : الأحد 1 نوفمبر 2026 - 6:45 م

بعد أسابيع من نصر أكتوبر 1973، استقبل الرئيس الراحل أنور السادات وزير الخارجية الأمريكى الأسبق هنرى كيسنجر، بقصر الطاهرة، لمناقشة مشروع فك الاشتباك بين القوات المصرية والإسرائيلية.

بعيدًا عن الاجتماع الرسمى، عقد السادات مع ضيفه لقاءً مغلقًا، ليخبره أنه مصمم على «إنهاء ميراث جمال عبد الناصر، ورغبته فى استعادة العلاقات مع واشنطن بأسرع ما يمكن»، بحسب رواية كيسنجر فى كتابه «سنوات القلاقل».

بعدها بأسابيع، بدأ السادات الترويج لما عُرف بـ«ورقة أكتوبر»، التى استهدفت الانقلاب على توجهات سلفه وتدشين مرحلة تتماهى فيها الدولة مع سياسات حلفائها الجدد، سياسيًا واقتصاديًا.

روجت وسائل الإعلام للورقة باعتبارها خطوة على طريق «التقدم الحضارى القائم على العلم والإيمان»، ثم عُرضت فى استفتاء، وحازت على موافقة 99% من المصريين.

كانت الورقة بداية تغيير بوصلة مصر باتجاه المعسكر الغربى؛ فبعد أن عادت العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، وزار رئيسها ريتشارد نيكسون القاهرة واستُقبل استقبال الفاتحين؛ ألغى السادات معاهدة الصداقة مع الاتحاد السوفيتى.

ألغى الرجل الرقابة على الصحافة، بشرط أن يعظم الصحفيون الإيجابيات وألا يسلطوا الضوء على السلبيات، وأقر التعددية السياسية عبر «المنابر» التى تحولت لاحقًا إلى أحزاب.

ورغم وعود الرخاء والتقدم والرفاهية لم تتحقق؛ تراجعت معدلات النمو، واشتدت الأزمة الاقتصادية، وبلغ التضخم 22.3%. وحين رفع الدعم عن سلع أساسية، هب المصريون، فيما عُرف بـ«انتفاضة الخبز»، احتجاجًا على الأسعار ومجمل السياسات الجديدة.

وبعد انحسار الاحتجاجات، استدعى السادات عددًا من الخبراء بينهم الكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل، الذى نصحه بأن العلاج يتوقف على التشخيص: «إذا كان ما جرى مؤامرة من الناصريين والشيوعيين، كما يرى الرئيس، فالعلاج أمنى؛ أما إذا كان انفجارًا سياسيًا بدوافعه الاجتماعية والاقتصادية، فلا بد أن يكون العلاج سياسيًا».

لم يستمع السادات، واختار العصا الأمنية، لتنهش «أنياب» السلطة كل من حاول معارضته أو ترشيد قراراته. وبعد شهور، باغت العالم بإعلانه استعداده لزيارة القدس وإلقاء خطاب فى «الكنيست ذاته»؛ ما تسبب فى حالة من الغضب تجاوزت خصومه إلى أقرب رجاله.

يروى وزير الخارجية الأسبق إسماعيل فهمى، فى مذكراته «التفاوض من أجل السلام»، أنه حذر السادات من أن الزيارة ستصب فى مصلحة إسرائيل، التى ستفرض شروطها بينما تُعزل مصر عن محيطها العربى.

وحين فشل فى إقناعه، وجد أسامة الباز ومحمد البرادعى فى انتظاره، وما إن قص عليهما ما جرى حتى انفجر الباز قائلًا: «لا شك أن الرجل غير متزن.. لا بد من منع ذهابه للقدس حتى لو استعملنا القوة».

استقال فهمى، ثم استقال خلفه المؤقت محمد رياض، لكن السادات مضى فى قراره، وزار إسرائيل فى 19 نوفمبر 1977.

بعدها تولى محمد إبراهيم كامل وزارة الخارجية وشارك فى مفاوضات كامب ديفيد، قبل أن يستقيل احتجاجًا على نتائجها.

وفى مذكراته «السلام الضائع فى كامب ديفيد»، قال كامل إن السادات ذهب إلى المفاوضات « عاريا »، محذرًا من أن الاتفاقية ستعزل مصر وتمنح إسرائيل حرية القتل والإرهاب فى المنطقة مستندة إلى السلاح الأمريكى، وأن ما قبله السادات «بعيد جدًا عن السلام العادل».

وتكشف شهادته عن الغزو الإسرائيلى لجنوب لبنان عام 1978 جانبًا من التحول الذى جرى؛ إذ يروى أنه اتصل بالسادات لإطلاعه على بيان يدين العدوان، فرد الرئيس ضاحكًا: «هل أدبوهم ولا لسه؟»، فى إشارة إلى الفصائل الفلسطينية.

اعترض كامل على خلو الاتفاقية من نص صريح على انسحاب إسرائيل من غزة والضفة الغربية، ومن ضمان حق الفلسطينيين فى تقرير مصيرهم؛ واستقال قبل توقيعها بكامب ديفيد فى 17 سبتمبر 1978.

أما فهمى، فيرى أن تلك الاتفاقية حولت الحلم الصهيونى ووعد بلفور إلى حقيقة؛ إذ أمنت لإسرائيل جبهتها الجنوبية، بعد أن جردت نظام الأمن العربى من فاعليته، بعدما كانت مصر محوره.

ويربط فهمى رغبة السادات فى أن يصبح «بطلًا عالميًا» بعزلة مصر عربيًا وعزلة الرئيس داخل بلاده، معتبرًا أن اللامبالاة التى استقبل بها بعض المصريين اغتياله عام 1981 كانت تعبيرًا عن تحررهم من وهمه؛ «كانت أكثر من لامبالاة، إنها كانت فى الواقع محاولة متعمدة لتناسى أن السادات كان موجودًا من قبل وأنه قد حكم البلاد أحد عشر عامًا».

هكذا انتهت دراما «الرئيس المؤمن» الذى تصفه مناهج التاريخ بـ«بطل الحرب والسلام»، ويصر البعض على أنه «حكيم عصره»، بينما تكشف الشهادات والوقائع كيف انقلب الرجل على مشروع الاستقلال الوطنى والسيادة السياسية، وكيف أسهمت خياراته فى انكفاء المشروع العربى وإطلاق يد العدو الصهيونى فى المنطقة.

محمد سعد عبدالحفيظ كاتب صحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين
التعليقات