قيود الترشح للرئاسة.. بين التأهيل والحق الدستوى - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الأحد 18 أكتوبر 2026 8:38 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

قيود الترشح للرئاسة.. بين التأهيل والحق الدستوى

نشر فى : الأحد 18 أكتوبر 2026 - 7:30 م | آخر تحديث : الأحد 18 أكتوبر 2026 - 7:30 م

خلال كلمته بحفل تخرج دفعات جديدة من الأكاديمية العسكرية، صباح السبت الماضى، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسى أن عام 2030 سيكون نهاية مدة رئاسته، قائلًا: «هذا أمر محسوم تمامًا»، لكنه أشار إلى أنه لن يترك الدولة إلا وهى «زاخرة بأبنائها القادرين على تولى المسئولية».

وطرح الرئيس مقترحا لتأهيل المرشحين المحتملين لانتخابات الرئاسة المقبلة، تنفذه الأكاديمية العسكرية، بهدف «الحفاظ على الدولة مرفوعة الراية وخفاقة وقادرة»، مضيفا: «مش أى حد يقول كلمتين مترتبين يتفضل يقود الدولة المصرية».

وكلف السيسى رئيس مجلس النواب ووزيرى العدل والتعليم العالى، إلى جانب نخبة من المفكرين والسياسيين والخبراء، بإعداد مشروع قانون ينظم البرنامج ويحدد شروط الالتحاق به.

وبحسب ما أعلنه، يستهدف البرنامج متقدمين تتراوح أعمارهم بين 40 و50 عاما، من حملة الماجستير والدكتوراه، يجتازون اختبارات القبول، ثم يلتحقون ببرنامج يمتد 30 شهرا، ويستهدف إعداد ما بين 200 و1000 متقدم، مع إعفاء العاملين بالحكومة ممن أمضوا ست سنوات أو أكثر من الالتحاق به، باعتبار أن خبرتهم العملية تؤهلهم لتولى المسئوليات القيادية.

قد يكون هذا التصور نابعا من قلق الرئيس على مستقبل الدولة، وحرصه على ألا يتولى مسئوليتها من يفتقر إلى الخبرة اللازمة للتعامل مع تحدياتها، خصوصا فى ظل اضطرابات الإقليم؛ لكن من المهم ألا يتم وضع قيود مسبقة على الراغبين فى الترشح، تتجاوز الشروط الدستورية، لأن ذلك يفتح الباب أمام شبهة عدم الدستورية، لا سيما أن الانتخابات الرئاسية الثلاثة التى جرت منذ انتهاء حكم الإخوان، وكان السيسى طرفا فى منافساتها، لم تشهد اشتراطات مماثلة، رغم استمرار التحديات التى تواجه البلاد.

هنا تبرز الضوابط الدستورية المنظمة للاستحقاق الرئاسى. فالمادة 141 حددت شروط الترشح، ومنها الجنسية والتمتع بالحقوق المدنية والسياسية وأداء الخدمة العسكرية أو الإعفاء منها، وألا يقل عمر المترشح عن أربعين عاما، ثم أحالت إلى القانون تحديد شروط أخرى.

لكن هذه الإحالة لا تمنح المشرع سلطة مطلقة فى فرض القيود؛ إذ يتعين أن تتوافق مع بقية أحكام الدستور، وفى مقدمتها المادة 53 التى تقرر المساواة بين المواطنين وتحظر التمييز بينهم، والمادة 87 التى تكفل حق الترشح والانتخاب، والمادة الخامسة التى تجعل التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمى للسلطة من أسس النظام السياسى.

ومن هنا، فإن اشتراط الحصول مثلا على الماجستير أو الدكتوراه، إذا أصبح اجتياز البرنامج بوابة إلزامية للترشح، يثير إشكالية تكافؤ الفرص؛ فالمؤهل الدراسى ليس وحده معيار الكفاءة السياسية والقدرة على إدارة الدولة، كما أن قصر الإعفاء على فئة من العاملين بالحكومة، واشتراط أن يكون عمر المتقدمين للانتخابات من أربعين إلى خمسين عاما، ينسفان معايير المساواة وعدم التمييز، ويستبعدان خبرات وكفاءات قد تحتاجها الدولة.

التحدى أمام اللجنة المكلفة بإعداد مشروع القانون لا يتعلق بحق الدولة فى إعداد قيادات مؤهلة، بل بمدى جواز تحويل الالتحاق ببرنامج تنظمه جهة بعينها إلى شرط لممارسة حق الترشح؛ فثمة فارق بين برنامج اختيارى يتيح اكتساب المعرفة والخبرة، وقيد يحرم مواطنا مستوفيا للشروط الدستورية والقانونية من خوض الانتخابات لمجرد عدم الالتحاق به أو اجتيازه.

ولعل إحالة المقترح إلى أساتذة قانون وخبراء وسياسيين ومفكرين، وفتح حوار عام حوله، يتيحان مراجعته قبل الوقوع فى محظور شبهة عدم الدستورية.

فالأصل فى بناء نظام ديمقراطى هو تقوية المحاضن الطبيعية لفرز الكوادر السياسية المؤهلة، وفى مقدمتها الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدنى، إلى جانب المؤسسات التنفيذية والنيابية. وتقوية هذه المؤسسات، وإتاحة المجال أمام كوادرها لممارسة العمل السياسى ونقد السياسات الحكومية وطرح البدائل، عبر منصات صحفية حرة تنقل ذلك إلى المواطنين دون حصار أو تضييق، هى ركائز التداول السلمى للسلطة.

إن تمسك الرئيس بترك منصبه عام 2030، وتأكيده عدم المساس بالدستور، يتيحان فرصة لانتقال رئاسى سلمى غير اضطرارى، فى سابقة تستحق أن تُستثمر لترسيخ قواعد ديمقراطية راسخة.

أخيرا.. فإن إجراء انتخابات الرئاسة فى موعدها الدستورى، مع إعلان الرئيس القائم عدم الاستمرار فى منصبه، قد يفتح المجال أمام وضع قواعد الجمهورية التى خرج ملايين المصريين يدعون لبنائها فى 2011 و2013، جمهورية تقوم على الحرية والتعددية والمساواة وتكافؤ الفرص.. جمهورية تتيح للمواطن اختيار من يحكمه ومن يراقب أداء الحاكم، عبر أحزاب فاعلة غير مقيدة وصحافة حرة غير محاصرة تفسح المجال للأفكار والآراء والبرامج البديلة.

محمد سعد عبدالحفيظ كاتب صحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين
التعليقات