ملفتٌ حجم التغييرات التى تُقدم عليها أى حكومة أو نظام جديد، خصوصا فى وطننا العربى، أو حتى مسئول يتولى إدارة مؤسسة أو مكتب متواضع. فكأن الخطوة الأولى ليست البناء على ما سبق، بل مسحه، بل محوه ودفنه، بحلوه ومرّه، بما فيه من إنجازات وإخفاقات، وكأنه لم يكن يوما جزءا من تاريخ البلد أو المؤسسة!
• • •
تبدأ عملية محو مرحلة بأكملها، وكأن القائمين عليها يأملون أن تختفى من الذاكرة، كما تفعل بعض الخوارزميات اليوم حين تتحكم بما نراه وما يغيب عنا. ولا حدود واضحة تقف عندها معاول الهدم، حتى لو جاء التغيير بعد عقود من الظلم والإجحاف والتشويه. فهل يعنى رفض الماضى محو كل ما ارتبط به، حتى ما سبقه أو لم يكن جزءا منه؟
• • •
نفهم أن أنظمة ومؤسسات كثيرة ابتُليت بتمجيد الحاضر ومن يتصدره، وإغداق الألقاب والصفات عليه، حتى تلك المرتبطة بشهادات وتخصصات علمية لم ينلها. والمضحك أن بعض المسئولين لا يجدون حرجا فى قبولها، وكأن اللقب يمنحهم رفعة وهمية. وفى مجتمعاتنا، لا يُعدّ انتحال الألقاب دائما تزويرا للحقيقة، بل قد يصبح جزءا من طقوس السلطة!!!
• • •
لكن معاول الهدم لا تتوقف عند الأشخاص. تبدأ بالرواية والسردية، وتنتقل إلى الصور والتماثيل والنصب، ثم تمتد إلى الكتب والمسرح والفنون والمناهج الدراسية. وتحت شعار الإصلاح أو التخلص من الماضى «الأسود»، يُمحى أحيانا ما سبق النظام نفسه، بل وما ينتمى إلى تاريخ مجتمع بأكمله. وكما تُغلَّف بعض الممارسات بغطاء الدين أو الحفاظ على التراث، يُبرَّر هنا محو التاريخ باسم التجديد والإصلاح.
• • •
والتاريخ، كما نعرف، ليس كله جميلا أو مشرفا. ففى ذاكرة كل شعب بقع رمادية وأخرى سوداء، لكنها لا تختفى بهدم نصب أو إزالة صورة. فى ألمانيا، لم تُمحَ الحقبة النازية من الذاكرة، بل أصبحت جرائمها جزءا من التعليم والمتاحف ومواقع التوثيق. وفى جنوب إفريقيا، لم يؤدِّ سقوط نظام الفصل العنصرى إلى إلغاء الدولة، بل إلى محاولة إعادة بناء مؤسساتها على أسس مختلفة، مع الاعتراف بجرائم الماضى.
• • •
ولعل المؤسسات الدولية، وفى مقدمتها الأمم المتحدة، تقدم مثالا صارخا على هذا التناقض. فالمنظمة التى احتفظت بأرشيف عصبة الأمم، رغم إخفاق الأخيرة فى منع حرب عالمية ثانية، لا تنجح دائما فى الحفاظ على ذاكرتها المؤسسية الحية. تتعاقب القيادات، وتتغير الأولويات، وتُعاد هيكلة الإدارات والبعثات، فتُهمل أحيانا تجارب تراكمت عبر سنوات طويلة، وتُطوى مشاريع لمجرد ارتباطها بمن سبق، أو يُعاد تقديمها بأسماء جديدة وكأنها وُلدت للتو.
• • •
وكم من معرفة اكتسبها العاملون فى الميدان، وكم من علاقات بُنيت بصعوبة، وكم من دروس دُفعت أثمانها من حياة البشر، تضيع مع انتقال مسئول أو رحيل فريق! والأخطر أن هذه الخسائر لا تُقاس دائما بالمال أو بعدد البرامج التى أُغلقت، بل بما تفقده المؤسسة من قدرة على فهم المجتمعات التى تعمل فيها، ومن ثقة بنتها عبر سنوات.
• • •
وهنا تكمن إحدى أخطر نقاط ضعف المؤسسات الدولية، وربما أحد أسباب تراجع دورها وفعاليتها. فالأمم المتحدة لا تواجه فقط أزمات النظام الدولى وهيمنة القوى الكبرى على قراراتها، بل تواجه أيضا خطر التآكل من الداخل حين تصبح استمرارية العمل المؤسسى رهينة للأشخاص، لا للرسالة التى أُنشئت من أجلها. وقد يأتى يوم لا تحتاج فيه هذه المؤسسات إلى من يعلن نهايتها؛ إذ يكفى أن تفقد قدرتها على التعلم من ماضيها، والبناء على إنجازاتها، وتصحيح إخفاقاتها، حتى تفقد تدريجيا مبرر وجودها... فالمؤسسات لا تموت دائما بقرار حلها، بل قد تموت وهى لا تزال قائمة!!!
• • •
ولا يختلف الأمر كثيرا فى الجامعات والمؤسسات الثقافية والإعلامية. يأتى مسئول جديد فيعيد تشكيل اللجان، ويستبدل الخطط والأسماء، وأحيانا يمحو حتى الإشارة إلى من وضعوا الأسس الأولى. وهكذا تتحول المؤسسة من كيان له تاريخ وذاكرة ورسالة إلى امتداد لشخص يديرها، وتصبح استمراريتها رهينة بقائه. هنا أيضا لا يمكن نسيان أو عدم النظر إلى مرض «الشخصنة» عندنا، وهو منتشر على قدر مساحة الأوطان وأكثر..
• • •
لماذا نتقن، من الخليج إلى المحيط، فن الهدم أكثر من البناء على التراكم؟ ولماذا نخلط بين تغيير القيادة ومحو التاريخ، وبين الإصلاح وإلغاء كل ما سبق؟ ولماذا يبدو الاعتراف بإنجازات الآخرين وكأنه انتقاص من إنجازاتنا، أو تهديد لمكانتنا؟
• • •
فى مدن كثيرة من العالم، تبقى آثار المراحل المظلمة حاضرة، لا لتمجيد أصحابها، بل لتتعلم الأجيال، ولتعترف المجتمعات بما ارتُكب، وربما لتعتذر للضحايا. أما نحن، فكثيرا ما نضع التاريخ كله فى سلة واحدة، ثم نبدأ كتابة رواية جديدة قد نطلق عليها: «لا شىء قبلنا سوى العتمة، ونحن نوركم وحاضركم ومستقبلكم». ليس المطلوب تقديس من سبقنا، ولكن لا يمكن أيضا أن نمحوه حتى لو أردنا ذلك... فالدول والمؤسسات لا تولد مع كل مدير أو حاكم جديد، ولا تموت برحيله... وما يمنحها قيمتها ليس ما ينجزه شخص واحد، بل ما يتراكم فيها من معرفة وتجارب وخبرات بكل نجاحاتها وإخفاقاتها، وهذا ما يُترك للأجيال المتعاقبة. وربما من المفيد التذكير بتلك المقولة الشهيرة: «المقابر مليئة بأشخاص كانوا يعتقدون أنه لا غنى عنهم»، أو أن الكون سيتوقف لو رحلوا...
كاتبة بحرينية