حلّت نسمات الخريف المصرى الجميل، بعد صيفٍ اتسم بالحرارة والرطوبة. ومعها، يهلّ موسم المهرجانات السينمائية المصرية؛ إذ بدأ فى أكتوبر فى الجونة، وستليه مهرجاناتٌ أخرى فى كلٍّ من القاهرة والإسماعيلية وأسوان والأقصر. يأتى هذا، مع الأسف، فى ظل عالمٍ عربى تنهشه الصراعات، وعلى مسرحٍ دولى يسوده الاضطراب والقلق مما قد يحمله الغد. ومع ذلك، تظل السينما أكثر الأشياء بهجةً وأكثر الفنون اكتمالًا، وتزداد روعةً حين تغدو تعبيرًا عن إحباطاتنا وأحلامنا وهويتنا. وحين نتحدث عن الهوية، لا بدّ لنا من استحضار اسم شادى عبد السلام.
• • •
يرى بعض صنّاع الأفلام والنقاد وعشاق السينما أن فيلم «المومياء» - الذى أخرجه شادى عبد السلام عام 1969، والذى يحمل عنوانًا آخر هو «ليلة أن تُحصى السنين» - يمثل العمل الوحيد الذى تجسّد فيه التراث الثقافى المصرى القديم، لإبراز الهوية المصرية الخالصة. هذه الهوية التى كانت الشاغل الأكبر لمخرجه شادى عبد السلام والتى ظلت مغيّبة طويلًا بفعل سنوات الاستعمار لبلادنا، وما صاحبها من تغيير فى اللغة مرة واحدة وتغيير الديانة مرتين.
يسرد الفيلم أحداثًا واقعية تعود إلى عام 1871، حين كانت تعيش قبيلة أسماها شادى فى فيلمه قبيلة «الحربات» على الضفة الغربية فى مدينة الأقصر. اشتهرت هذه القبيلة بالحفر للبحث عن الآثار الفرعونية وبيعها لتجار الآثار، الذين كانوا يعيدون بيعها بأسعار باهظة لهواة جمع التحف الأجانب. وقد عثر أفراد القبيلة، بمحض الصدفة، على «خبيئة المومياوات» خلف معبد الدير البحرى؛ حيث أُعيد دفن ملوك الأسر من الثامنة عشرة إلى العشرين. وبعد وفاة شيخ القبيلة، قرر أبناؤه التوقف عن انتهاك حرمة الأموات، ووضع حد لسرقة الآثار والحلى، احترامًا لقدسية الموتى. وعلى إثر ذلك، قُتل أحد أبناء الشيخ على يد أفراد آخرين من القبيلة، بينما نجح الآخر فى الهرب لإبلاغ الشرطة ورجال الآثار بأمر «الخبيئة»، وذلك بعد صراع نفسى داخلى طويل بين واجبه من جهة، وخوفه وانتمائه للقبيلة من جهة أخرى.
• • •
لم يكن فيلم «المومياء» مجرد عمل سينمائى عادى يتم تصوير مشاهده فى الأماكن التراثية، بل كان مشروعًا متكاملًا لصانعه شادى عبد السلام، فقد أراد «تمصير» السينما المصرية، كما أسماه بعض صنّاع الأفلام، التى كانت - حتى ذلك الحين - سينما ذات طابع غربي؛ إذ لم يكن صنّاع الأفلام الأوائل مصريين، بل كانوا أجانب وضعوا القواعد الجمالية وأساليب صناعة السينما التى تعلّمها المصريون منهم. ونتيجة لذلك، جرى تطبيق كافة الفنون المرتبطة بالسينما - من كتابة السيناريو والتصوير والفنون التشكيلية والديكور، وصولًا إلى آليات الإنتاج السينمائى ككل - وفقًا لمنظور غربى.
لذا، رأى أن الحل يكمن فى العودة إلى الجذور والمنابع الأصلية، والمتمثلة فى جماليات الفن المصرى القديم والثقافة الأصيلة التى نراها حتى الآن على جدران المعابد والمقابر. وفى سياق تعزيز رؤية شادى عبد السلام، يشير الناقد السينمائى حاتم منصور إلى أن الحضارة المصرية القديمة تُعدّ «أول حضارة سينمائية» فى التاريخ، قبل اختراع الكاميرا والسينما بآلاف السنين. ففى مقالة مهمة نُشرت عام 2021، يوضح منصور أن فن صناعة السينما بدأ فى جوهره كعرضٍ لسلسلة من الصور الثابتة بهدف سرد القصص، (moving pictures)، مع إدراج عبارات نصية على الشاشة لتفسير الأحداث أو ربط أجزاء السرد ببعضها؛ وهو تمامًا ما نراه اليوم على جدران المعابد والمقابر المصرية القديمة، مع كلمات ونصوص تُكمل السرد كأنها لوحة قصصية سينمائية (Storyboard).
بالإضافة إلى ذلك، فإن أى زائر للمعابد المصرية القديمة، كمعبد إدفو أو فيلة مثلًا فى صعيد مصر، سيرى كيف لعب المعمارى المصرى بالإضاءة فى تصميم المعبد، وكيف إنها تخفت تدريجيًا كلما اتجهنا إلى عمق المعبد، حتى نصل إلى العتمة الكاملة فى قدس الأقداس، حيث يسكن تمثال الإله، كما يفعل مدير التصوير والمخرج لإبراز أو إهمال بعض الشخصيات أو الأحداث فى الفيلم.
استطاع شادى عبد السلام - وبفضل ثقافته التاريخية الواسعة وخبرته السينمائية العميقة - التنقل بكاميرته فى فيلم «المومياء» بسلاسة بين المواقع التراثية المصرية؛ إذ ينتقل فى اللقطة الواحدة من الضفة الغربية للأقصر إلى ضفتها الشرقية، بل ومن هضبة الجيزة شمالًا إلى مدينة الأقصر جنوبًا، دون أن يشعر المشاهد بأى تغيير مفاجئ، ويشعرنا بأننا ما زلنا فى غرب الأقصر. ومع ذلك، صُوِّرت المشاهد الرئيسية على الضفة الغربية فى الأقصر، وتحديدًا فى معبدى «مدينة هابو» و«الرامسيوم» الجنائزيين. لقد كان اختيارًا ذكيًا من المخرج؛ فهذه المعابد الجنائزية ترتبط بطقوس الموت فى مصر القديمة، وتتماشى فى الوقت ذاته مع أحداث الفيلم. علاوة على ذلك، يتمتع كلا المعبدين بجماليات بصرية لافتة؛ ويبرز ذلك بوضوح فى اللقطة التى يظهر فيها فلاح معاصر بجوار اليد الضخمة لتمثال رمسيس الثاني، وهى اليد التى تبدو وكأنها تقبض بإحكام على مصيرها، فى تباينٍ صارخ مع حال الإنسان المصرى المعاصر الذى يبدو عاجزًا عن التحكم فى مسار حياته، على عكس أسلافه.
• • •
بالتالي، فإن فيلم «المومياء» يمثل - لأول مرة فى السينما المصرية - تحولًا فى الجماليات واللغة السينمائية لتصبح ذات منظور مصرى خالص. فمنذ اللقطة الأولى، يشعر المشاهد بأن العمل يقترب فى تكوينه من الجداريات المصرية القديمة الموجودة فى المعابد والمقابر؛ إذ إن هيئة وقوف الشخصيات، والعلاقات اللونية داخل الكادر، وعمق التكوين السينمائي، كلها تحاكى ما نراه فى الفن المصرى القديم على الجدران أو فى لفائف البردي. وبعبارة أخرى، صُوِّر فيلم «المومياء» بعين مصرية، لا بعين أجنبية. علاوة على ذلك، استُلهمت لغة الحوار من النصوص الدينية المصرية القديمة، مثل «كتاب الموتى» و«نصوص الأهرام». ولا ننسى أرملة زعيم القبيلة - والتى لعبت دورها الفنانة زوزو حمدى الحكيم بملامحها المنحوتة وصوتها الجهير - ووصفها باسم «ست الدار»، وهو لقب الزوجة فى مصر القديمة، كما قامت هى بوصف زوجها الحبيب الراحل بأنه كان «رفيق وسمير أيامها»، وهذا من أهم ألقاب الأصدقاء والأحباء فى مصر القديمة.
أما فيما يتعلق بلغة الجسد والأزياء، فيظهر أيضًا استخدام شادى للغة الجسد المصرية فى استخدامه للبطل جالسًا فى وضعية الجلوس القرفصاء، وهى وضعية كانت مألوفة لدى المصريين القدماء وتُشبه تمامًا وضعية التماثيل الجالسة قرفصاءً والمعروضة فى المتاحف المختلفة. وبالإضافة إلى ذلك، اتبع أسلوب وضع الماكياج كما فى مصر القديمة، فتزيين الكحل فى عينى بطلة الفيلم «زينة»، والتى تؤدى دورها نادية لطفى، يُذكّرنا بـ«عين حورس»، أحد رموز الحماية فى الحضارة المصرية القديمة. ولا يزال تكحيل العين ووضعية الجلوس القرفصاء ممارسَين حتى يومنا هذا فى العديد من قرى صعيد مصر؛ وقد تعمد شادى عبد السلام إبراز هذا التواصل التراثى، خاصة فى صعيد مصر.
وسيرًا على الرمزية التى انتهجها دائمًا الفنان المصرى القديم، مثل اختياره التاج الأبيض رمزًا لصعيد مصر والأحمر لشمال وادى النيل، فقد سعى شادى إلى تسليط الضوء على التباين بين نمطى حياة سكان صعيد مصر وسكان الوجه البحرى، وذلك من خلال اختيار ألوان متباينة لأزياء الشخصيات؛ إذ اختار «الجلابية» السوداء لأهل الصعيد كرمز للصلابة والتمرد، بينما اختار «الجلابية» البيضاء لأهل الوجه البحرى كرمز للاستسلام. علاوة على ذلك، يظهر هذا التباين أيضًا فى الحوار الدائر بين فلاح الشمال والجنوبى الصعيدى، والذى يعكس اختلاف وجهات نظرهم حول سبل كسب العيش.
ويعود هذا الاختلاف إلى تاريخهم الطويل؛ فأهل الجنوب الذين عاشوا فى المناطق الجبلية لم يتعرضوا للقهر بقدر ما تعرض له أهل الشمال، الذين خضعوا فى فترات كثيرة لغزوات أجنبية، بينما حظى أهل الجنوب بحماية طبيعية بفضل تضاريسهم الجغرافية، والتى شكّلت جزءًا من طبيعتهم القاسية. وينتهى الفيلم بمشهدٍ مهيب من إحدى جداريات المقابر، تظهر فيه المومياوات محمولةً على محفاتٍ فى طريقها إلى باخرةٍ نيلية، بينما يقف أفراد القبيلة فى وقارٍ وصمتٍ نبيل، وكأنهم يرافقون موكبًا جنائزيًا ملكيًا جليلًا، تمامًا كما كان الحال فى عصر الفراعنة.
• • •
فى النهاية، جاء هذا الفيلم كجزء من مشروعٍ أشمل لصانعه يتعلق بالحفاظ على التراث، فقد طمح إلى خلق سينما مصرية أصيلة، تستلهم جذورها من تاريخنا العريق الذى أبهر العالم بأسره. وللأسف، لم يمهله القدر لإتمام مشروعه؛ إذ وافته المنية عام 1986 قبل أن يحقق حلمه الثانى، وهو فيلم كان سيحمل عنوان «أخناتون». ويرى تلامذته أن هذا الفيلم - لو قُدِّر له أن يرى النور - لكان عملًا فنيًا رفيع المستوى، قادرًا على منافسة أفضل الأعمال السينمائية العالمية.
ترك شادى وراءه إرثًا رائعًا، يتمثل فى رسومات للشخصيات، وتصاميم للديكور والأزياء والحلى لفيلمه «أخناتون»؛ وهى أعمال تُعرض حاليًا فى متحف مكتبة الإسكندرية. وهذا يثير تساؤلًا: بالنظر إلى هذا الزخم السينمائى داخل المهرجانات السينمائية - حيث يجتمع صنّاع الأفلام المصريون -، هل يتقدم أحد منهم، خاصة أولئك الذين يحملون شغفًا عميقًا برؤية شادى السينمائية، لإتمام هذا المشروع السينمائى المصرى؟ ففى نهاية المطاف، نحن ورثة أول حضارة فى العالم وثّقت تفاصيل حياتها برجالها ونسائها وأشجارها ونيلها وكل جمالياتها على الحجر، وذلك قبل الشاشة بآلاف السنين. فهل من مجيبٍ لهذا النداء؟
باحثة فى التراث الثقافى المصرى