بين «التختة» والقذيفة - خولة مطر - بوابة الشروق
الأحد 11 أكتوبر 2026 8:19 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من يحسم القمة الـ133؟

بين «التختة» والقذيفة

نشر فى : الأحد 11 أكتوبر 2026 - 7:20 م | آخر تحديث : الأحد 11 أكتوبر 2026 - 7:20 م

تبدأ الكثير من العائلات العربية عامها فى شهر سبتمبر، عكس ما هو على الأجندات الميلادية والهجرية وما بينهما. تبدأ السنة الجديدة مع السنة التعليمية عند العودة إلى المدارس بعد فصل صيف طويل مصحوب بكثير من الضجيج. يعود الأطفال والكبار، بل وكل الحياة، إلى روتينها السريع ببطء!!! يكثر ضجيج الأطفال فى المكتبات وهم يجمعون الكراريس والأدوات الأخرى المطلوبة مع بداية كل عام، ويبحث الأهل عن آخر صيحة لشنطة المدرسة، وربما حتى للحذاء، حتى يبدأ أبناؤهم العام بإحساس أنهم ليسوا أقل من الآخرين. ألم تصل التقليعات والموضة إلى المدارس والطلاب حتى فى المراحل الأولى؟ ثمة حركة تصاحب كل ذلك، تحمل معها بعض البهجة، التى هى ربما بهجة التسوق والعودة إلى الأصدقاء بعد انقطاع موسم الصيف. وهنا فارق شاسع بين هذه الأجيال الصغيرة والعودة إلى المدرسة وتلك الفرحة الطفولية البريئة عند من سبقوهم من الكبار.
• • •
ثم هناك، وليس بعيدًا عن كل هذا الضجيج، طلاب آخرون يسعى أهلهم لنبش ما تبقى وصمد من أدوات وملابس من العام الدراسى السابق، للقيام بإصلاح بعضها إن أمكن، لأن نفقات التعليم، ككل أساسيات الحياة فى عالمنا، أصبحت أكبر من قدرات الأفراد العاديين أو الشرائح الواسعة من مجتمعاتنا. وارتفعت تكلفة التعليم حتى فى ما يسمى التعليم الحكومى «المجانى»، فهذا الآخر له كلفة أيضًا. وترهّل التعليم العام بعد ابتعاد الحكومات عن مسئولياتها، وترك الأمر للسوق ليتحكم فيه كما يتحكم فى البضائع المادية، لا يتوقف عند تكلفة التعليم، بل يتعداه إلى المدارس المهترئة والمبانى غير المناسبة، إن لم تكن غير آدمية، ومعلمين ومعلمات منهكين وبمرتبات متدنية، وفى كثير من الأحيان دون كفاءات تربوية وتعليمية قادرة على مواكبة قفزات العصر فى هذا المجال. يُضاف إلى كل ذلك ثقافة عامة لا ترى فى التعليم وسيلة تضمن حياة أكثر كرامة وعزة، وانتشار مفهوم أن التعليم لا يضمن النفاذ إلى سوق العمل، ولا الوظيفة، ولا الاستقرار، ولا طبعًا الثروة التى تطفح بها وسائل التواصل، لتصبح هى الأمنية والأمل!!!!
• • •
وعلى الضفة الأخرى من ميزانيات الدول، يبرز بند التسلح فى منطقة تسكن فوق ثروة، وتنتقل فيها الحروب عبر الحدود والمدن والمناطق والقرى دون تأشيرة، إما بأجندات خارجية وأيدٍ محلية، أو من خلال تغريدة هنا، أو خبر كاذب أو منقوص، أو حتى بصياغة الذكاء الاصطناعى.
• • •
ففيما ترتفع نفقات التسلح وتتكدس الأسلحة فى منطقتنا العربية، يتراجع الاهتمام بالتعليم وتمويله فى الكثير من الموازنات العامة لدولنا. فقد بلغ الإنفاق العسكرى فى الشرق الأوسط (ومنه دولنا العربية) نحو 243 مليار دولار عام 2024، بزيادة 15 فى المئة عن العام السابق، وفق معهد ستوكهولم الدولى لأبحاث السلام، فيما بلغ الإنفاق العسكرى فى شمال أفريقيا نحو 30.2 مليار دولار فى العام نفسه. وفى المقابل، يشير تقرير التنمية المستدامة العربى لعام 2024 إلى أن ما لا يقل عن عشر دول عربية تنفق على التعليم أقل من الحد الأدنى الدولى الموصى به، وهو 4 فى المئة من الناتج المحلى الإجمالي، وأن هذه الدول تحتاج إلى 11.8 مليار دولار إضافية لسد فجوة التمويل التعليمى. ويشير التقرير أيضًا إلى أن ما تتحمله الأسر العربية من نفقات التعليم يفوق المتوسط العالمى.
• • •
ومن المتوقع أن تكون هذه النسبة، أى نسبة اللهث خلف التسلح، قد قفزت بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مؤخرًا، وإدخال المنطقة برمتها فى خضم حروب عبثية لا تنتهى عند الحدود، بل تتعداها، ولا يعرف أحد متى ستنتهى وعند أى مدينة أو بحر ستتوقف. فالمنطقة برمتها تحت منظار تلك القذيفة القادمة من بعيد.
• • •
وبين المليارات التى تُرصد للسلاح، والمدارس التى تفتقر إلى المعلمين المؤهلين والمقاعد والمختبرات، يبرز سؤال عن أولويات الإنفاق العام: أى مستقبل نعدّه لأطفالنا حين تتوافر الموارد لشراء أدوات الحرب، بينما يعجز التعليم العام عن ضمان فرص متكافئة لهم؟ وأما إذا ما تمكنت الأسرة من القفز فوق كل هذه الحواجز، واستطاعت أن توفر مساحة ضيقة لطفلها أو طفلتها على «تختة» مدرسة عامة، بإمكانيات ضعيفة، فيبقى تحدى نوعية التعليم، والمناهج التى عبثت بها أيادٍ كثيرة، من الاستعمار التقليدى والحديث، مرورًا بمن أُسند إليهم أن يكونوا حراسًا للذاكرة فحوّلوها إلى ذاكرة انتقائية، وتعليم يكرّس الخنوع، بل العبودية، بدلًا من المواطنة الصحيحة.
• • •
ويبقى أن نعترف بأننا فى الحروب نحصى الأطفال الذين سرقت أرواحهم منا القذائف، ونوثّق المدارس التى دمرتها صواريخهم وقذائفهم «الذكية»!! ولكن من يحصى الأطفال الذين اغتيلت أحلامهم؟ ومن يوثّق الخسارات الصامتة لأجيال تبدأ الحياة وهى مدركة أن أبوابًا كثيرة ستظل مغلقة أمامها؟ فالتعليم، فى نقصه أو انعدامه أو تدنى جودته، يدمر أجيالًا، بل يقتل أملهم فى مستقبل مختلف عن حاضر مؤلم جدًا.
كاتبة بحرينية

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات