عن تفاصيل الجمود وأشياء أخرى - خولة مطر - بوابة الشروق
الأحد 8 نوفمبر 2026 9:05 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إقالة حسام حسن من القيادة الفنية للمنتخب الوطني؟

عن تفاصيل الجمود وأشياء أخرى

نشر فى : الأحد 8 نوفمبر 2026 - 7:30 م | آخر تحديث : الأحد 8 نوفمبر 2026 - 7:34 م

تدلف لذلك الاجتماع المهم بنفس المبنى الذى لم تدخله منذ سنين، وقد أحببت بقاءه فى قلب العاصمة العريقة كرمز آخر لتاريخ كان. تعرف أن جدرانه والشوارع المحيطة به تحكى قصصًا لو نطقت، بعضها يدمى القلب، وآخر يزهر فيه حدائق من الزهور. يعجبك شموخه رغم أنه شاخ، أما قاعاته فتشهد منذ سنين كيف شاخ الخطاب حتى تجمد وتحول إلى شكل من أشكال اللغة الخشبية.

     •     • •

هو ككثير من المبانى، بل المؤسسات والجمعيات القومية والوطنية والمحلية، لم يستطع القفز عند حواجز التغيرات السريعة، وبقى هناك فى «مكانك سر». تبدو حركتهم رغم أن فى الحركة بركة، قيل لنا مرة ومرارًا، إلا أن كثيرًا من الحركة هو تكرار لما كان فى كل تفصيل بها، حتى كيفية تقسيم القاعات والمقاعد وتوزيع المشاركين. يبدو توقف الزمن ليس فى المكان الجغرافى، أى فى الحجر والأخشاب وغيرها من أثاث المكان الذى كان، بل وحتى فى التقارير والكلمات وتقديم المداخلات ووو، هناك الكثير من الذى كان.

     •     • •

تتسابق المبانى والشوارع قبل البشر والعربات فى التحول إلى أشكال ربما أكثر حداثة أو تماشيًا مع زمن السرعة ومتطلباتها، أو حتى لتكون شبيهة بتلك المدينة ــ البلد التى أصبحت بفعل التسويق مثالًا يعمل الكثيرون على تقليده رغم كل ما يسودها من شوائب وفقدان للروح الخاصة. وتبقى الخطابات والكلمات والتقديمات والحوارات كما كانت، حتى يخيل للسامع وكأنه عاش كل ذلك منذ أكثر من عقدين أو أكثر.

     •     • •

ما الذى يحدث للمؤسسات عندما تشيخ؟ هل هى بحاجة إلى نفضة أو جرعة من الحيوية لتعيد بعض شبابها، ليس فى الشكل، بل فى المضمون؟ أم أنها تقرر أن تعلن خبر وفاتها وتغلق أبوابها وترحل، تاركة مساحة قد يشغلها خطاب متجدد يعيش اللحظة ويستوعب سرعة التحول مع كل التكنولوجيا التى تسرق منا حتى النوم الذى قالت عنه فيروز: «من عز النوم بتسرقنى»، وكانت تعنى الهوى وربما الحنين والذكريات. الآن تبدو ليالينا أكثر قصرًا من أن تتحمل ساعات من الاسترخاء، فبين غفوة وأخرى يدق الجرس مذكرًا بخبر أو رسالة قادمة، فما لك إلا أن تقفز تاركًا عز النوم ذاك الذى غنته سيدة الأقمار الجميلة.

     •     • •

تشيخ المؤسسات أو تتجمد ليس عندما يكون القائمون عليها متقدمين فى العمر، بل لأن الفكر نفسه بكامله الذى تأسست من أجله قد تحول إلى مجرد جمل محفوظة تردد لسنين وسنين. وتشيخ أو تتجمد عندما يبدو خطاب المشاركين جميعًا موحدًا دون حتى أن تتدخل يد الرقيب الداخلية أو الخارجية، أو حتى الخطوط الحمر، وهى كثيرة، تبدأ بالسياسية وتنتقل للاقتصاد والمجتمع والتقاليد والدين والخوف من أى جديد، حتى لو كان فكرة مستنيرة قد تنقل المشروع بأكمله إلى مكان يشبه من يمثلهم أو يتطابق مع طموحاتهم وتطلعاتهم.

     •     • •

تشيخ أو تتجمد المؤسسة أو الجمعية عندما تنسى لماذا أُنشئت؟ وما سبب ذلك؟ وما هى أهدافها؟ وتبدأ فى وضع حجر الختام عندما ترفض أى صوت قادم يرمى الحجر فى الماء الراكد. يرى مانكور أولسون أن المؤسسات المستقرة تراكم مع الزمن مصالح راسخة تقاوم التغيير، وأن ذلك أحد أسباب أفول الأمم («صعود الأمم وأفولها»، 1982). ويلاحظ ميشيل كروزييه أن التنظيمات البيروقراطية تعجز عن التعلم وتصحيح أخطائها حين تتحول قواعدها إلى مصدر للجمود («الظاهرة البيروقراطية»، 1964). والمثير أن ما كتبه كروزييه قبل أكثر من ستة عقود لا يزال صالحًا لوصف واقع الكثير من مؤسساتنا اليوم. وهنا تكمن المشكلة أو العجز الذى يتحول مع الوقت إلى شكل من أشكال التحجر.

     •     • •

والأمثلة على ذلك كثيرة، يرفض القائمون على هذه المؤسسة أو تلك أى تغيير لأنه ربما يعنى فقدانهم لتلك السلطة المطلقة التى مسكوا بها على مدى سنين. ألم يقولوا إن السلطة تفسد والكرسى يحول صاحبه، مهما كانت المؤسسة صغيرة مثل جمعية فى بلدة هنا أو هناك، إلى الحاكم بأمره؟ وهناك الإحساس الدائم بأننا نفهم أكثر من القادمين الذين لم يعيشوا معنا صعوبة الولادة الأولى ولم يعرفوا معنى تأسيس المؤسسة الجامعة على مبدأ أو قضية أو حتى موقف.

     •     • •

ما يحزن ليس أن تشيخ المؤسسات وتتحجر، بل كيف تستطيع أن تستدرج حتى القادمين الجدد من أجيال شابة إلى تلك الغرفة المعتمة التى كانت، وتضعهم فى نفس القالب المتحجر، فيتحولوا إلى شكل من أشكال الببغاوات التى تكرر نفس الكلمات والعبارات وحتى الروايات والقصص التى تراكم عليها الغبار، فصار من الصعب الكشف عن مدى صدقها أو كونها شيئًا من سرد الخيال..

كاتبة بحرينية

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات