وقفوا ليصفقوا بحرارة شديدة فى تلك القاعة التى فقدت كثيرًا من هيبتها، رغم أنها شهدت زعماء وشخصيات تحدّت الهيمنة والظلم بقول الحق، وأنظار العالم تتابع ما يجرى هناك فى نيويورك، حيث مقر الأمم المتحدة. ربما ردد بعضهم كلمات أشادت به وبفريقه، وغادروا القاعة وربما المدينة، وهم يعلمون أنها، أى الأمم المتحدة، تواجه اليوم، كما كل الأنظمة العالمية، صعوبة البقاء والاستمرار فى أداء المهمات التى أُنشئت من أجلها حين كان العالم خارجًا من حروب مدمرة.
• • •
هى تعيش اليوم تحدى البقاء أو الانهيار، بعد أن هيمنت عليها دول كبرى بمصالحها، ليس فقط فى صنع القرار، كما يحدث فى مجلس الأمن حيث تدار الصراعات، بل امتدت الهيمنة إلى المناصب القيادية العليا حتى أصبحت بعضها حكرًا على دول بعينها أو على من يمثل مصالحها، وإلى البرامج والأولويات وكثير من التفاصيل. ليس الأمر جديدًا، لكن مع بروز الهيمنة والتوحش فى العالم، برزت أمراض المنظمة إلى السطح، وأصبح واضحًا أنها تفقد ما تبقى لها من دور، إن كان هناك دور حقيقى وليس هامشيًا أو سطحيًا. فى ختام إحدى الاجتماعات الخاصة بالمسئولين فى الأمم المتحدة، وكان الحديث عن أهداف التنمية، جلس الفريق فى تلك القاعة بذلك المبنى الزجاجى الضخم المطل على النهر، وردد البعض: لم يتحقق شىء، واستعرض المبالغ، بلا الملايين التى صُرفت، ومعظمها كان ربما على شكليات لم تطل صلب معوقات التنمية الحقيقية!!!!
• • •
ولا يتوقف الأمر هنا؛ فهناك المحسوبية فى التعيينات والترقيات، بعيدًا، فى أحيان كثيرة، عن الكفاءة والخبرة والقدرة على تحقيق الأهداف. ولا يمكن أن ننسى أن الأمم المتحدة، وعكس ما تردده دومًا، لا تزال تعيش ما يعرف بـ«نادى الرجال»، مع بعض السيدات هنا وهناك فى المناصب العليا لاستعراض الأرقام والنسب، وكأن مشاركة المرأة جزء من مواد التسويق. حيث يتم تعيين نساء، ومنهن من دول نامية، حسب مقاييس محددة يريدها القائمون على المنظمة، وليس حسب الكفاءات كما قلنا، وكثير منهن تخرجن من مناصبهن بما يشبه «الفضائح» أو حتى دون أى إنجاز يذكر تجاه شعوب هذه المنطقة المنكوبة. بل إن بعضهن قد أسأن إلى النساء، وخاصة فى منطقتنا العربية، عندما مُنحن فرص الوصول إلى مناصب صنع القرار…
• • •
وإذا تخطينا تلك الحواجز، فعلى الموظف الذى توهم أنه يعمل من أجل الإنسانية والبشرية، حسب شعار المنظمة الأساسى «نحن الشعوب»، أن يتعامل مع المانحين، ومعظمهم من الدول الكبرى، الذين يؤثرون فى أولويات العمل، وبرامج المنظمة، وفق مصالحهم، وأجنداتهم. تطورت الأسماء والأدوات، أما المضمون فكثيرًا ما بقى مزيدًا من السيطرة على البرامج والمشاريع وحتى الدراسات. ألم يمنع الأمناء العامون دراسات معينة، حتى بعد أن صرفت المنظمة على البحث والباحثين وجمع المعلومات؟ ولعل تقرير الإسكوا حول إسرائيل والأبارثيد مثال لا يُنسى، بل هو باقٍ فى ذاكرة المنظمة نفسها، وقبله أو بعده تقرير الظلم فى العالم العربى وتقارير ودراسات أخرى كثر تم حبسها فى الأدراج أو دفنها فيها.
• • •
ثم هناك البيروقراطية المميتة فى ظل الإفلات من المساءلة والمحاسبة، وطبقية فجة فى تركيبة هذه المنظمات: سادة وعبيد وما بينهما. موظفون دوليون بامتيازات تختلف عن الموظفين المحليين؛ حتى فى الحروب يُرحّل الدوليون بعيدًا عن الخطر، ويبقى الموظف الوطنى يقوم بالمهمات الصعبة، وأحيانًا على حساب حياته. والفجوة بين المقر والميدان مرض آخر؛ فالكل يتسابق إلى المقرات، الأقرب إلى صانعى القرار والترقيات والمصالح الشخصية، بعيدًا عن الفئات التى يفترض أنهم جاءوا لخدمتها.
• • •
ويقول البعض إن الأمم المتحدة ليست سوى صورة مصغرة للعالم، تحمل أمراض حكوماته ومؤسساته: التمييز والعنصرية والمحسوبية وغياب المساواة. ولكن إذا كانت كذلك، فكيف تصبح هى القاضى والحكم حين تذهب إلى تلك الحكومات مطالبة بإصلاحات فى حقوق المرأة والطفل وحقوق الإنسان؟ وكيف تطالبها بالشفافية فيما تتحدث تقارير أجهزة الرقابة داخل منظومتها نفسها عن مشكلات فى التحقيق والمساءلة وحماية المبلغين عن المخالفات؟
• • •
(وحدة التفتيش المشتركة، استعراض سياسات وممارسات الإبلاغ عن المخالفات فى مؤسسات منظومة الأمم المتحدة). بل وكثير من تقارير هذه الوحدة وغيرها تشير إلى تعرض بعض الموظفين إلى التمييز والعنصرية.
• • •
والسؤال اليوم ليس إن كانت الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح، بل هل تستطيع تنظيف بيتها من الداخل قبل أن تطلب من العالم إصلاح بيوته؟ أما أن العالم بحاجة إلى نظام عالمى يحافظ على تطبيق المعايير الدولية التى اتفقت عليها البشرية، ويعمل كثير من البشر على الاستمرار فى احترامها لتكون المرجع الحقيقى لعالم أكثر حرية وعدالة ومساواة…
كاتبة بحرينية