فى العاصمة الأردنية عمان وعلى مدى يومين شاركت فى فعاليات النسخة الرابعة من «ملتقى مستقبل الإعلام والاتصال» الذى ينظمه مركز حماية وحرية الصحفيين الأردنى.
فى الملتقى تحدثت وتحدث كثيرون غيرى عن التحديات التى يواجهها الصحفيون والإعلاميون فى الوقت الراهن من الديكتاتورية الرقمية وسيطرة الخوارزميات واقتصاديات المحتوى الرقمى، وحتى الأوضاع المعيشية الصعبة التى يعيشها قطاع عريض من صحفيى وإعلاميى وطننا العربى المثخن بالجراح من محيطه إلى خليجه.
وفى النقاشات التى شهدتها بعض جلسات الملتقى كانت السياسة حاضرة بكامل سطوتها، فألقت بظلالها الكئيبة على مداخلات بعض المشاركين وكلماتهم التى تعكس انتماءاتهم القُطرية وتوجهاتهم الفكرية وانحيازاتهم السياسية.
كنت أتابع ما يدور من مناقشات وذهنى مشغول بفكرة قالها أحد الزملاء الأردنيون فى جلسة عقدت مساء الجمعة الماضى وكان المحور الرئيسى للجلسة التى افتتحها وزير الاتصال الحكومى الأردنى الصديق محمد المومنى وشارك فيها وزير السياحة الأردنى عماد حجازين، هو الإعلام والسياحة.
كانت فكرة الزميل الأردنى هى استثمار ما فى الأردن من مزارات ترتبط بمراقد الصحابة وأضرحتهم لتضعها ضمن سياق رحلات سياحية دينية، وكان من بين الصحابة الذين ذكرهم: الصحابى الجليل أبا عبيدة بن الجراح المدفون في «غور الأردن».
وفى الواقع لم تكن الفكرة بحد ذاتها هى ما شغل ذهنى بل كان «أبو عبيدة بن الجراح» نفسه هو من استحوذ على تفكيرى، خاصة حين دارت رحى النقاش والسجال فى إحدى الجلسات وفى حوارات بعض المشاركين بعيدا عن جلسات الملتقى الرسمية بشأن الموقف من «إيران» وعدوانها المُدان على دول الخليج والأردن، ورَبط البعض ما يدور بالخلاف الطائفى بين السنة والشيعة.
رحل الصحابى الجليل أبو عبيدة بن الجراح عام 18 هجرية بعد إصابته فى طاعون «عمواس» فى غور الأردن، وهو الذى قال عنه النبى الأكرم: «إن لكل أمة أمينا، وأمين هذه الأمة هو أبوعبيدة بن الجراح».
وبعد وفاة النبى وفى حادثة السقيفة الشهيرة قال أبوبكر الصديق للمجتمعين المختلفين فى أمر خلافة النبى: «قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر وأبا عبيدة»، وذلك قبل أن يتفق الحاضرون بدعم عمر بن الخطاب على اختيار أبى بكر لخلافة النبى.
وأبوعبيدة هو من قال بن الخطاب: إن أدركنى أجلى وأبوعبيدة حى استخلفته، فإن سألنى الله عز وجل لمَ استخلفته على أمة محمد؟ قلت: إنى سمعت رسول الله يقول: إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة هو أبوعبيدة بن الجراح
لكن الموت كان أسبق لأبى عبيدة ورحل فى ولاية عمر ودفن فى غور الأردن بعد حياة مليئة بالجهاد والعمل الصالح والزهد الذى كان من أجل صفاته.
فماذا لو لم يمت أبو عبيدة عام 18 هجرية؟
أقولها الآن بعد مضى أكثر من أربعة عشر قرنا على رحيله.
رحل «أبوعبيدة» وبعده بنحو خمس سنوات قتل بن الخطاب فاختار ستة من الصحابة - مات النبى وهو عنهم راضٍ - ليكون أحدهم خليفته، ولو كان أبوعبيدة حياً لاختاره «عمر» ولقبله المسلمون.
ولكن ما الآثار التى كان من الممكن أن تترتب عليها تولية أبى عبيدة إمارة المؤمنين بعد عمر؟
أترك المجال هنا لرأس الدولة الأموية معاوية بن أبى سفيان، فربما نجد فيما رُوى عنه ما يقدم إجابة لهذا السؤال.
روى عن معاوية أنه قال لابن الحصنى حين وفد عليه: «ما الذى شتت أمر المسلمين وخالف بينهم؟».
فقال ابن الحصنى وكأنه أراد أن يوافق هوى معاوية: قتل الناس عثمان.
قال معاوية: ما صنعت شيئا «أى إن هذه إجابة غير صحيحة»، فعاد ابن الحصنى يقول: فمسرى طلحة والزبير وعائشة وقتال علىٍّ إياهم «يقصد موقعة الجمل».
قال معاوية مرة أخرى: ما صنعت شيئا، فقال الرجل: ما عندى يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: فأنا أخبرك أنه لم يُشتت المسلمين ولا فرق أهواءهم إلا الشورى التى جعلها عمر إلى ستة نفر؛ وذلك أن الله بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فعمل بما أمره الله به ثم قبضه الله إليه، وقدم أبا بكر للصلاة فرضوه لأمر دنياهم؛ إذ رضيه رسول الله لأمر دينهم، فعمل بسنة الرسول وسار بسيرته حتى قبضه الله، واستخلف عمر فعمل بمثل سيرته ثم جعلها شورى بين ستة نفر، فلم يكن منهم رجل إلا رجاها لنفسه ورجاها له قومه، ولو أن «عمر» استخلف عليهم كما استخلف «أبوبكر»، ما كان فى ذلك اختلاف.
لكن للأسف فإن سؤال «ماذا لو؟» لا يقبله التاريخ ولا تعترف به السياسة، ولذلك فها نحن بعد مضى كل هذه القرون مازلنا نعيش أجواء الفتنة التى ربما لو لم يمت أبو عبيدة قبل اغتيال عمر ما كانت لتقع.