حدث فى دار الأوبرا - سمير عمر - بوابة الشروق
الأحد 4 أكتوبر 2026 11:01 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

حدث فى دار الأوبرا

نشر فى : الأحد 4 أكتوبر 2026 - 9:50 م | آخر تحديث : الأحد 4 أكتوبر 2026 - 9:50 م

 المكان: دار الأوبرا الملكية بالقاهرة. 
الزمان: ربيع عام ألف وتسعمئة وسبعة وعشرين. 
حيث يمم عشرات الشعراء العرب وجوههم شطر مصر للمشاركة فى حفل إعلان أحمد شوقى أميرا للشعراء، أو كما كتب داوود باشا بركات رئيس تحرير صحيفة الأهرام فى هذا الوقت: مبايعة الأقطار العربية مصر بالإمارة على لغتها، إذ كانت مصر صاحبة هذا المجد من قِدَم، فهى كعبة الضاد، وفيها حرمها وقبلتها، ثم سلمت مصر هذه الإمارة على صاحب لواء بيانها شوقى بك، وألقت إلى يمينه صولجانها، وأدارت على مفرقه معقد تاجها.
كانت مصر فى هذه الأثناء تعيش عشرية فخرها الوطنى بعد ثورتها الشعبية الجارفة عام 1919، وهى تواصل نضالها من أجل استكمال مسارها التحررى، وتبنى على ما أنجزته ثورتها الشعبية، وتنعم بأجواء الزهو بحضارتها القديمة التى عادت إليها الحياة بقوة بعد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون فى 4 نوفمبر 1922.
كانت القاهرة عاصمة الفن والثقافة وقبلة المبدعين العرب يولون وجوههم شطرها سعيا وراء التحقق والحضور 
أسبوع كامل عاشته مصر على إيقاع الاحتفال بأمير الشعراء الذى نُحت له هذا اللقب خصيصا قبلها بنحو ربع قرن. 
وفى حفل التنصيب الذى احتضنته «دار الأوبرا» وقف شاعر النيل حافظ إبراهيم بين جموع المبايعين يتلو قصيدته: 
أمير القوافى قد أتيت مبايعا 
وهذى وفود الشرق قد بايعت معى 
وأنشد شاعر الأرز «شبلى ملاط» مبايعا فى قصيدة طويلة يقول فيها: ردت على مطامحى وشبابي 
ذكرى الصبا وملاعب الأحباب 
وتبعه شاعر القطرين خليل مطران: 
قبس بدا من جانب الصحراء 
هل عاد عهد الوحى فى سيناء 
أرنو إلى الطور الأشم فاجتلى 
إيماض برق واضح الإيماء 
كما ألقت السيدة إحسان القوصى كلمة المرأة المصرية ممثلة عن جمعية الاتحاد النسائى التى أسستها هدى شعراوى عام 1923. 
طويلة كانت قائمة الشعراء والأدباء والمفكرين الذين جاءوا لمبايعة شوقى أميرا للشعراء
أما من لم يتمكنوا من حضور حفل التنصيب الذى بدأ فى دار الأوبرا واختتم فى منزل شوقى «كرمة بن هانئ» فقد أرسلوا رسائلهم وهداياهم إلى أحمد شوقى تعبيرا عن مبايعتهم واعترافهم له بإمارة الشعر العربى. 
وكان من بين الرسائل عميقة الدلالة عظيمة الأثر التى وصلت شوقى فى ختام الاحتفالات بإمارته للشعر، رسالة من زعماء الثورة السورية كتبت بدمائهم ووقعها أبطال الثورة جميعا، وقد تأثر أحمد شوقى كثيرا بهذه الرسالة فأنشد ردا على رسالة الثوار يقول: 
تسلل فى الزحام إلى نضوٌ
من الأحرار تحسبه خيالا 
رسول الصابرين ألمَّ وهْنًا
وبلغنى التحية والسؤالا
دنا منى فناولنى كتابًا
أحست راحتاى له جلالا
وجدت دم الأسود عليها مسكًا
وكان الأصل فى المسك الغزالا
كان مشهد المبايعة جميلا وجليلا جسد اعتراف الجميع بمكانة شوقى بين الشعراء ومكانة مصر بين العرب 
القاهرة فى ديسمبر 1958 ومصر تعيش أولى سنوات الوحدة مع سوريا وإعلان الجمهورية العربية المتحدة ، فى هذا العام قرر الرئيس جمال عبد الناصر تغيير موعد الاحتفال بعيد العلم ، ليصبح يوم 21 ديسمبر وهو الذى يوافق تاريخ افتتاح جامعة القاهرة عام 1908 وفى حفل عيد العلم كان أول المكرمين عميد الأدب العربى «طه حسين» ثم كان تكريم العملاق «عباس محمود العقاد» عام 1959، ثم جاء دور توفيق الحكيم عام 1960، أما سيدة الغناء العربى أم كلثوم وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب فقد تم تكريمهما فى عيد العلم عام 1965.
وخلال الحفل قال الزعيم جمال عبد الناصر عنهما: لقد استطاع فن محمد عبد الوهاب وفن أم كلثوم أن يجمع العرب من المحيط إلى الخليج. 
وطالت قائمة المكرمين فى عيد العلم لتضم نوابغ مصر فى شتى المجالات، ومن بينهم الشاعر أحمد رامى والدكتور حسين فوزى «السندباد» والدكتور محمد كامل حسن ومحمد نجيب حشاد  فى العلوم وغيرهم الكثير والكثير من أبناء مصر البررة. 
كانت مصر حاضرة بقوة فى دوائر تحركها الثلاث، العربية والإفريقية والإسلامية، وتدفع مع أحرار العالم قطار عدم الانحياز والحياد الإيجابى، بعطاء مفكريها ومبدعيها وعلمائها فى شتى المجالات.
ستبقى مصر بخير طالما بقى نهر الفكر والفن والعلم يتدفق. 
وطالما بقى أبناؤها يعرفون قدرها ويحفظون مكانتها. 
فعبقرية مصر إلى جانب روعة الجغرافيا وعظمة التاريخ تكمن فى قواها الناعمة عميقة الجذور وارفة الظلال.

سمير عمر كاتب صحفي يمتلك خبرة تمتد لنحو ثلاثة عقود في مجال الصحافة والإعلام
التعليقات