النديم الساخر والوزير الخائف - سمير عمر - بوابة الشروق
الأحد 27 سبتمبر 2026 8:07 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

النديم الساخر والوزير الخائف

نشر فى : الأحد 27 سبتمبر 2026 - 6:15 م | آخر تحديث : الأحد 27 سبتمبر 2026 - 6:15 م

النديم الساخر فى قصتنا هو عبد الله بن حمدون «نديم» الخليفة العباس بن الموفق طلحة المُلقب بالمعتضد بالله الذى ولى الخلافة العباسية سنة 279 هجرية واستمر حكمه لنحو عشر سنوات. أما الوزير الخائف فهو القاسم بن عبيد الله وزير الخليفة المعتضد، الذى كان من أثرياء عصره.

كانت العلاقة بين الخليفة المعتضد بالله وصديقه ونديمه المثقف الساخر عبد الله بن حمدون على خير ما يرام، إذ كان من أقرب المقربين له، يجالسه ويشاركه الطعام، ويناقشه فى أمور الحكم وأحوال البلاد والعباد، وتشير الروايات إلى أن الخليفة كان إذا تعرض عبد الله بن حمدون لضائقة مالية يتولى عنه سداد ديونه من ماله الخاص لحبه له ومكانته عنده.

ويقول المؤرخون أيضًا: إن الخليفة المعتضد كان ذكيًا واسع الحيلة، حازمًا مع قواده شديد الوطأة عليهم، ورغم قسوته على قواده كان عادلًا مع رعيته رحيمًا بهم، وهو الذى نجح فى إنهاء نفوذ الأتراك داخل الدولة العباسية،وكان لاستقرار الدولة فى عهده نتائج إيجابية على الوضع الاقتصادى، فتعافت الدولة واستردت مكانتها.

نعود لقصتنا: كان الخليفة المعتضد كثيرًا ما يتباسط مع نديمه عبدالله بن حمدون، وفى ذات ليلة قال النديم عبدالله بن حمدون للخليفة المعتضد: إلام أُضحكك ولا تضحكنى؟

‎فقال الخليفة: خذ، وأعطاه دينارًا

فقال ابن حمدون: خليفة يجيز نديمه بدينار واحد!

‎(يعنى الخليفة بجلالة قدره ويعطينى دينارًا واحدا)!

فقال الخليفة: لا أجد لك من بيت المال حقًا أكثر من هذا، ولكنى أحتال لك بحيلة تأخذ فيها خمسة آلاف دينار.

وأضاف: إذا كان غد وجاء القاسم بن عبيد الله (وهو وزير الخليفة وكان من الأثرياء كما أشرنا سابقًا) أسارُّك حين تقع عينى عليه سرارًا طويلًا وألتفت إليه كالمغضب، وانظر أنت إليه فى خلال ذلك نظرة المشفق.

‎(يعنى أكلمك كأننى أخبرك بسر، ثم أنظر فى اتجاه الوزير بغضب، وتنظر أنت إليه نظرة إشفاق عليه لغضبى منه).

ويواصل الخليفة حيلته لنديمه قائلًا: فإذا انقطع السِرار فاخرج ولا تبرح الدهليز حتى يخرج، فإذا خرج خاطبك بجميل وسألك عن حالك، فاشكُ الفقر والحاجة وخذ ما يعطيه لك، فإذا أخذتها فسيسألك عما جرى، فحدّثه بالحديث كله وإياك أن تكذبه.

‎أعجبت فكرة الخليفة نديمه ابن حمدون، فلما كان اليوم التالى.

جاء الوزير القاسم مجلس الخليفة، وحين رآه المعتضد دارت القصة على النحو الذى أراده الخليفة.

‎وبعدها خرج النديم ابن حمدون فإذا بالوزير يقول له: ما هذا الجفاء؟ ما تجيئنى ولا تسألنى حاجة، (يعنى ببساطة: ليه يا راجل مش بتسأل عنى وتودنى ولو محتاج حاجة عنيا ليك).

ويواصل بن حمدون قص الرواية، كما وردت فى كتاب «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادى، قائلًا: فاعتذرت إليه، فقال: ما تقنعنى إلا أن تزورنى اليوم.

ومضيت معه وجعل يسألنى عن حالى وأخبارى!

فشكوت له ضيق الحال وكثرة الديون، ومصاريف البنات فيتوجع ويقول: مالى لك ولو عرّفتنى لعاونتك على إزالة هذا كله عنك. 

ويواصل ابن حمدون قائلًا: وبلغنا داره وجعل يحادثنى ويبسطنى، وقُدمت إلىَّ الفاكهة فجعل يلقمنى بيده، ثم وقّع لى بثلاثة آلاف دينار فأخذتها، وأحضرنى ثيابًا وطيبًا، وكانت بين يدىّ صينية فضة وقدح بللور، فأمر بحملهما إلى دارى.

وقال: هذا للبنات.

على هذا النحو تسير القصة كما رسمها الخليفة بالضبط.

‎لكن دعونا نواصل سماع بقية القصة كما رواها النديم بن حمدون:

‎«فلما انفرط المجلس قال لى: يا أبا محمد، أنت عالم بحقوق أبى عليك ومودتى لك.

‎فقلت: أنا خادم الوزير.

‎فقال: أريد أن أسألك عن شىء، وتحلف أنك تصدقنى عنه.

‎فقلت: السمع والطاعة

‎قال: بأى شىء سارّك الخليفة اليوم فى أمرى؟

‎فأخبرته بكل ما جرى، وشكرته وانصرفت!

انتهت القصة، وحصل النديم على ما يريد لا لشىء سوى أن الوزير خشى أن يكون الخليفة يفكر فى اتخاذ قرار ضده لأنه بالتأكيد على «راسه بطحة»، وما أكثر أولئك الذين على رءوسهم بطحات.

هذه القصة، وإن اختلفت تفاصيلها وتغيرت شخوصها، متكررة بمضمونها ودلالاتها العابرة للزمان والمكان.

ومن لا يصدّقنى عليه أن يجرب بنفسه مع أى صاحب سلطة ومع من يسعون لكسب رضاه، لا لمصلحة عامة ولكن للحفاظ على مصالحهم الخاصة، وهم لا يعرفون أنه يعرفهم جيدًا ويعرف أن أموالهم وثرواتهم إن تضخمت فللناس نصيب فيما يملكون وسيحصلون عليه عاجلًا أو آجلًا.

سمير عمر كاتب صحفي يمتلك خبرة تمتد لنحو ثلاثة عقود في مجال الصحافة والإعلام
التعليقات